ربّما هذه هي المرّة الأولى التي تَعرفين فيها
ما معنى أن تَسحقكِ الجموع،
وأن تكوني وحدكِ في صف المعرفة،
ممتلئةً بشغفٍ عبثي.
ثلاث قصائد لهو شودونج
ترجمة: آسر حريري
هو شودونج، شاعر ومترجم صيني، درّس الأدب العالمي في جامعة بكين. نشر تسعة دواوين بالإضافة لكتاب مترجم وعدة مقالات مجمعة. توفي في عام 2021 بعمر السابعة والأربعين.

راقصةُ الزهور
عن الترجمة الإنجليزية لمارجريت روس
إلى داو داو..
اليوم بعد الظهيرة، زحفتْ
حشرةٌ على ذراعِ زميلتُكِ في الصفّ:
حشرةٌ سوداءُ، مُرقَّطةٌ ببُقَعٍ بيضاء، ولها ساقان طويلتان نحيلتان.
صَرختْ لاي لاي، وهرع الأطفال لنجدتها،
وساعدوها في دفعِ الحشرةِ إلى الأرض.
قال بعضهم:
إنّها بعوضةٌ عملاقة،
فيما قال بعضٌ آخر:
بل إنّها بَرغُوث،
اعتقدوا جميعًا أنّها تعض،
واتّفقوا على سَحقها حتى الموت.
أمّا أنتِ، صغيرتي عالمةُ الطبيعة،
التي دَرستْ معي الأزهارَ والحشراتَ منذ زمن،
فكنتِ وحدكِ من عرفتِ ما سبَق وتعلّمتِه منذ سنّ الثالثة:
إنّ هذه هي يرقةُ السيكادا الشمعيّة المُرقَّطة،
واسمها الشائع: راقصةُ الزهور،
تغتذي على عُصارةِ الشجر، ولا تعض.
شرحتِ هذا لبقيّة الأطفال
كي يَكفّوا عن سُعارِ دهسها،
ولكن أحدًا لم يُصدّقك.
قلّةٌ كانوا يعرفون أنّ يرقاتِ السيكادا الكبيرة لونُها أسود وأحمر،
ولكنّهم لم يتعرّفوا على هذه الصغيرة،
واتّهمونكِ بالهذيان.
تجاهلكِ الجميع.
واستمرّ جذلُ الدهس.
إلى جوارهم، بكيتِ، وصحتِ مرارًا وتكرارًا:
"إنّها لطيفةٌ حقًّا! إنّها لا تعض!"
وعندما تَهشَّمتْ راقصةُ الزهورِ إلى أشلاء،
فقدتِ السيطرةَ على نفسك،
دببتِ الأرضَ، زعقتِ، وصرختِ ملءَ رئتَيكِ:
"إنّها حياة!"
ثمّ شرعتِ تنتحبين،
وتلقين بنفسكِ على الجميع،
تَخدشين هذا، وتَركلين ذاك، مُقَطِّبةً وجهك،
ولم تهدئي
حتى حين أمسكتْ بكِ المعلمةُ
واستبقتكِ على الأرضِ طويلًا.
حين أخبرتني معلمتُكِ بهذه القصة،
كان هدفُها لفت نظري إلى ضرورةِ أن أُعلّمكِ
كيف تتحكّمين في مشاعرك.
ولكنّ ما سمعتُه أنا
لم يكن سوى أصواتٍ حانقة
تصدر عن عظامِك الصغيرة،
بينما تُرغَمين على أن تكبري.
بُنيتي،
ربّما هذه هي المرّة الأولى التي تَعرفين فيها
ما معنى أن تَسحقكِ الجموع،
وأن تكوني وحدكِ في صف المعرفة،
ممتلئةً بشغفٍ عبثي.
ولكن،
كم كنتُ أتمنّى
لو مضيتِ في هذه الحياة
دون أن تتعلّمي هذا أبدًا.
الأرماديلّو
عن الترجمة الإنجليزية لمارجريت روس
ألمحُ التّاريخَ على حاسوبي،
وأدركُ أنّني العامَ الماضي كنتُ في أمريكا الجنوبيّة،
على شاطئٍ في باراتي،
وهي مدينةٌ سُلِبَتْ ذهبَها خلالَ القرنِ السابعِ عشر،
وتُطِلُّ على البحر،
ومُكْتَظَّةٌ بشواهدِ اضْمِحْلالِ البرتغال.
حينَ حَلَّ المساء، عدنا إلى الشاطئِ الّذي تَلُفُّهُ
سُحُبٌ وجُزُرٌ غيرُ عابئة،
تسكّعْنا في كلِّ شارعٍ رأيناه،
وتنهّدْنا إثرَ كلِّ مرورٍ على أثرٍ تاريخيّ.
سَطَعَتْ في مكانٍ غريب أنوارٌ حمراء برّاقة،
وكان الداخلون والخارجون
رِجالًا أنيقين،
ونِساءً غيرَ مكترثات، تجاوزْنَ سِنَّ أَلَقِهِنّ.
فَرِحْنا، ظنًّا مِنّا أنّ هذه لا بُدَّ هي جادة "المُتعة"،
ولكن اتّضحَ أنّه مركزٌ للآدابِ والفنون،
حيثُ تجمّعتْ حشودٌ من المُثقّفين
وأتباعِهم القادمِين مِن كلِّ حَدب،
مِن أجلِ عروضٍ تقديميّة مهيبة عن التاريخ والإبادةِ الجماعيّة
لِلشعوبِ الأصليّةِ على طولِ ساحل البرازيل الجنوبي الشرقي.
تدلّتْ من الحوائطِ لَوْحاتٌ للسُّكّانِ الأصليين.
حوَّلَتْ المحاضراتُ، على المسرح،
مأساةَ السُّكّانِ إلى أحاديثٍ أكاديميّة مُلغزة.
أمّا في المعرض، فأُضرِمَتْ نِيرانٌ مِن قِطَعٍ خشبيّةٍ غريبةٍ لتكريمِهم.
لكنّنا لم نرَ ولا فردًا واحدًا من هذِه الشعُوب
حتى تمشّينا إلى الخارج، بعيدًا،
عندَ زاويةِ أحدِ الشّوارع،
حيثُ قابلْنا العديدَ من باعةِ المشغولاتِ المُستترين في الظّلام.
ينامونَ في الشوارع،
ويبيعونَ المنحوتاتِ الخشبيّةَ الرّخيصة، والسِّلالَ، والرّيشَ الزُّخرفيّ.
لا يُنادون على بضائعِهم.
وإذا اضطُرُّوا لأنْ يقولوا سعرًا بالبرتغاليّة،
فإنّ الأرقامَ كانت تخرجُ من أفواهِهم كشِقُوقٍ جِلديةٍ مُتَصَدِّعة،
خَشِنةٍ ومُؤلمة.
شعرْنا بالحَذَرِ الكامنِ في عيونِهم،
خطِّ دفاعٍ عُمرُهُ خَمسُمِئة عام.
مِن الجانبِ المُقابل،
اشترَيْنا أَرْماديلّو خشبيّ. بَلى، أَرْماديلّو.
حيوانٌ مُدَرَّعٌ لطيفٌ، ذو نَظَرٍ ضعيفٍ وأَسنانٍ ناعمة،
يَجدُ مأمنَهُ في الغابةِ، تمامًا كأَسلافِهِم.
حَسنًا، باراتي. لقد أَخبرَتْني النُّخبةُ للتّوّ بأسًى:
أنّ السُّكّانَ الأصليّين لهذا المكان
كانوا أَقْوِياءَ ومُنَظَّمين، ويتحدّثونَ بطلاقةٍ لُغاتِ التّوبي–جواراني،
وقد تمّ الإجهازُ عليهم جميعًا.
لم تُرِدِ النُّخبةُ أن تَذكُرَ شيئًا عن أَحفادِهم.
فهم بمثابة "كالو" لن يُرى،
وبذا،
ينكتم أنينهم
في حُجُبِ الليل.
ماما آنا باولا هي الأخرى تكتبُ الشِّعر
عن الترجمة الإنجليزية لمينج دي وكاتي فيريس
ماما آنا باولا هي الأُخرى تكتبُ الشِّعر.
بِسِيجارةِ تَبغٍ مَلفوفٍ في قُشورِ الذُّرةِ بين شفتيها، رَمَتْ علَيَّ كتابًا ثَخينًا:
"اقرأْ قصائدَ أُمّك".
هذا حقيقيّ، أُمُّ طالبي چوزيه،
ذات البَرازيليَّتين على صدرِها،
والرِدفين بحَجمِ القارة الأمريكيّة الجنوبيّة،
والمَعِدةٌ المحشُوة بالبيرةِ، التي تَصطخبُ كالمحيطِ الأطلسي.
هذه هي ماما آنا باولا
التي تكتبُ الشِّعر.
أولَ مرّةٍ قابَلتُها، رَفَعتني عاليًا،
كنَسرٍ يَقبضُ على فَرْخٍ صغير،
لم يُخبرْني أحدٌ أنها تكتبُ الشِّعر.
بَصَقَتْ علَيّ كلماتِها المُبَلَّلة، وفَرَكَتْ وجهي
بأصابعِها النَّخيليّةِ الكبيرة.
ولمّا لَعَقَتْ أُذنيَّ المذعورتين بلسانٍ مغموسٍ بالماريجوانا،
لم أكنْ على علمٍ أنها تكتبُ الشِّعر.
أخبرَني الجميعُ، بمن فيهم وَلَدُها چوزيه وزوجتُه چيسيل،
أنها زهرةٌ عجوزٌ حمقاء،
لكنْ أحدًا لم يُخبرني
أنها تكتبُ الشِّعر.
صاح چوزيه: "اَنزِلي مُعلّمي، يا زَهرَتي العجوز الحمقاء!"
أسقطتْني، لكنها شَرَعَتْ تَسبُّ: "قَضيب! قَضيب!"
بينما تُطارِدُ فَرْخًا آخَر.
حَدّقتُ إلى ظهرِها،
قويٌّ كدُبٍّ أَشعَث، بمقدرتها أن تَقتُل به ثَورًا
إذا كانت ثَمِلة،
وفَهِمتُ حينها أنها تكتبُ الشِّعر.
لكنّ اليوم، عندما تَبِعتُ چوزيه إلى المنزل،
ورأيتُها في لَمحَةٍ خاطفةٍ مُستلقيةً بإزاءِ المسبح،
ممدَّدةً أطرافَها الأربعَ، وتُدَخّن،
لم أظُنَّ أنها قد تكتبُ الشِّعر.
اصطدَمتُ في غُرفةِ المعيشةِ بشابٍّ عضليّ،
ذِي ذَيلِ حصان، يُشبِهُ بوب مارلي،
أخبرتني چيسيل أنَّه عَشيقُ حماتِها من الليلة الماضية،
لم أكنْ لأُصدّق، ولو كنتَ ستقتلني،
أنّ ماما آنا باولا تكتبُ الشِّعر.
لكنّ ماما آنا باولا تكتبُ الشِّعر،
آنا باولا التي تتجشّأ وتَضرُط.
قَلّبتُ في كتابِ ماما آنا باولا صفحةً بعد الأُخرى.
بلى، ماما آنا باولا تكتبُ الشِّعرَ حقًّا.
إنّها لا تكتبُ شِعرًا بدينًا، ولا شِعرًا كحوليًّا،
ولا شِعرًا ماريجوانيًّا، ولا شِعرًا قضِيبِيًّا،
ولا شِعرًا عضليًّا عن رجالٍ مُفتولي العضلات.
في قصيدةٍ عنوانُها: "ثلاثُ ثوانٍ من الصمتِ في الشِّعر"، كَتَبَتْ:
"الصَّمتُ في قصيدة،
هَبني ثلاثَ ثوان،
وإبّانَها،
يمكنني أن أَغزِلَ سماءً كاملة".
* الترجمة خاصة بـ Boring Books
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه
