أحمد الصادق: يا ليل يا باشا (قصة)

2025-01-01 - أحمد الصادق

ستفكر غالبًا -مثلي أيضًا- هل حان الوقت للنظر من العين السحرية، أم ستكرر سؤالك "من الطارق؟"؟ أو بالأحرى "من المطبلاتي؟"، أو "مولد مَن بالخارج؟"

يا ليل يا باشا

قصة لأحمد الصادق


عدوية، عن العربية

إلى أحمد عدوية

دقَّ جرس الباب طويلًا، لكن ليس بنغمته المعتادة، التي تشبه صوت عصفور يُحتَضَرُ جوعًا، وإنما بنغمة أوكورديون ممتدة، في درجة "لا" تقريبًا، وهي درجة لا يمكنني وصفها، لا لأن بها شيئًا يميزها، فليست هي النغمة المختارة مثلًا؛ ولكن ببساطة لأن النغمات الموسيقية لا يمكن وصفها بالكلمات، ولهذا يكفي أن تكتب في محرك البحث جوجل: "A tone sound" لتسمع ما سمعتُه حالًا عندما رن جرس الباب.

بالطبع -وضَعْ نفسك مكاني في هذا الموقف الغريب- لن يعلم عقلك ماذا عليه أن يفعل بالضبط، أي إشارات عصبية يطلقها، هل يجعلك تشعر بالخوف من غرابة الأمر.. أم بالإعجاب بصوت الأوكورديون الساحر! ولكن بتكرار النغمات المتتالية، في صورة "ليجاتو" ممتد، و"استكاتو" متقطع، مع صنع بضع حليات موسيقية شرقية بين نغمتي الـ"لا" والـ"سي" اللتين تَلِيَانها، ثم زخارف أسطورية ملحقة بنغمات من عالم آخر، كأنَّ كائنًا فضائيًّا قد جلب معه أصواتَ بُعدِهِ المغاير، وطفق يكرِّرها ويصنع منها تباديل وتوافيق لا نهائية، بنغمات لم يسمع بشر مثلها من قبل.. حينها سيقرر عقلك أنَّ الإعجاب أوقع من الخوف، فمهما يكن وراء الأمر، فلا ينبغي أن نخاف من عفريت يتلاعب معنا بالموسيقى!

حينها ستقرِّر أن تتحرك صوب الباب، كما فعلتُ أنا، وستقترب بعينك من "العين السحرية".. ولنتوقف عند هذا التشبيه الغريب: عينان تلتقيان، كأنهما يقبل بعضهما بعضًا، والمفارقة هي أن التقبيل يحدث بين فمين، لا عينين، كما أن الأوقع ها هنا، في ظل هذه الظروف العجائبية، أن تضع أذنك على الأذن السحرية بالأحرى، فتُقبِّل هذا الصوت الما ورائِيِّ العذب، ولكن على أيِّ حال، كما جرت العادة، فقد قررتَ أن تضع عينك في العين السحرية، لترى ما أنت على وشك أن تراه.. لكن باقترابك من العين، يتوتر عقلك للحظة، فالحياة ليست دائمًا على وفاق، فقد ترى ما لا تود أن تراه، وحشًا أسطوريًّا مثلًا، يستدرجك بنغمات جميلة، يتوارى خلفها، لتفتح له بابك، فيقتحم دارك، وينال منك! ولكن عقلك سيفكر أيضًا، في تلك اللحظات المعدودة التي تقترب فيها بعينك من العين السحرية، أنه من غير المنطقي أن يستخدم الكائن الشرير هذه القوى السحرية، المتمثلة في نغمات جميلة كي ينال منك، فإن كان قادرًا بسحره أن يغير صوت العصفور الجائع إلى صوت أوكورديون باهر تخرُّ له النفوس وتضيع في نشوة من السعادة المطلقة- فبالتأكيد كان بإمكانه أن يجد طريقة ما لفتح بابك بنفسه، لينال منك، بدون إحداث نوع ما من الدراما عديمة الفائدة، فالوحش الأسطوري لن يكون محبًّا للدراما، وليس هو بأي حال سفاحًا متسلسلًا يتسلى بضحاياه باستدراجهم بنغمات الـ"لا" الصادرة من أجراس أبوابهم، والمتحورة إلى نغمات أخرى من ذبذبات ليست بِنتَ هذا الكون.. يرفض عقلك تصديق تلك الحبكة الغريبة، فيما تكاد عينك تلامس العين السحرية.. ولكن في آخر لحظة.. تتردد.. مثلما فعلتُ أنا بالضبط.. فتغمض عينك.. وتختار ألا تنظر من العين السحرية.. وعوضًا عن ذلك.. تقرر أن تتكلم، وتقول: "من بالخارج؟!".

في تلك اللحظة، تتوقف الموسيقى، ويبدأ الطرق على الباب، ولكن، أيضًا، ليس الطرق المعتاد: "طق طق طق"، وإنما بدا الباب كأنه طبلة كبيرة، ويؤدي أحدهم الإيقاع البلدي عليه: "دوم دوم ترا كأ دوم ترا كأ ترا دوم دوم ترا كأ دوم ترا كأ ترا...⟳"، وما لبث الإيقاع أن تطوَّر وازدادت زخارفه الصوتية والإيقاعية، وصدر من الباب صوت ناي شرقي صاخب، منسجم مع الإيقاع كأنه انصهر معه في معمل كيميائي كبير، حتى فاح الفراغ خلف الباب ببخار ملون تصاعد من حِيَفِه، ومن بعيد، إن فعلتَ مثلي وراقبتَ العين السحرية، فستجدها تضيء بألوان مهرجانية خاطفة، كأنَّ خلف الباب مولدَ أحد الأسياد، ويتراقص جمع من الناس بشكل هستيري على السلالم.

ستفكر غالبًا -مثلي أيضًا- هل حان الوقت للنظر من العين السحرية، أم ستكرر سؤالك "من الطارق؟"؟ أو بالأحرى "من المطبلاتي؟"، أو "مولد مَن بالخارج؟"، وكيفما اتفق، استقرَرْتَ، مثلما فعلتُ أنا، بأنْ سألتَ أحد تلك الأسئلة، ولا تذكر بالضبط من هول الصدمة أيها سألت! لكن المهم أن صوتًا أتى من خلف الباب، بعد أن هدأ الإيقاع البلدي، ليجيب عن السؤال مغنيًا: "كل ليلة وكل يوم..."، حينها ستشعر بخطأ ما في الأمر، فهذه الكلمات غريبة، إذ ما يعني هذا الجواب؟ ثم سيفكر عقلك أن عليك استكمال الأغنية، فتقول، مثلما فعلت أنا: "أسهر لبكره في انتظارك يا حبيبي؟!"، تقولها مستفهمًا، إذ إنك لا تستسيغ هذه التكملة في تلك الحالة الراهنة التي نحن فيها، أنا وأنت، وأنا آسف أني أقحمتكَ في هذا الظرف الغريب معي.. ولكن يأتيك الصوت مرة أخرى ليقول: "تؤ تؤ تؤ..."، ثم يستكمل مغنيًا: "كله كوم والحب كوم...".

حينها، لن يجد عقلك بُدًّا من تجربة النظر عبر العين السحرية، فترفع رأسك، تفتح عينك، وتدفسها في العين السحرية، لترى أمامك أحمد عدوية، يتراقص منتشيًا، ويغني: "ياما لامونا يا ليل وحيرونا يا ليل، ياما لامونا يا ليل وسهرونا يا ليل"، فتتحرك يدك تلقائيًّا لتفتح الباب، فيدخل عدوية متراقصًا بعصا التحطيب كأن المنزل منزله، فيما أنت، وأنا أيضًا، نكاد يغشى علينا من فرط الانتشاء، في حين يستكمل عدوية مغنيًا في صحبة الإيقاع والموسيقى: "يا ليل يا باشا يا ليل، اروي العطاشى يا ليل، يا ليل يا باشا يا ليل، دا إحنا غلابة يا ليل...".



أحمد الصادق، قاص وروائي، من مواليد القاهرة 1987. درس الفلسفة بكلية الآداب، ويعمل محررًا أدبيًا وكاتبًا حرًا في عدد من المنصات الإلكترونية في قسمي الثقافة والفنون. صدر له خمسة أعمال أدبية، آخرها رواية "دُوار العالَم" عن دار العين للنشر 2023. حصد العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة، أهمها جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 2021، عن رواية "هيدرا.. أوديسا الفناء والخلود".


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية

تابعنا على السوشيال ميديا

النشرة البريدية