يحبُها

قصة لد. هـ. لورانس*

ترجمة: سمر طلبة

* د. هـ لورانس (1885-1930): أديب وشاعر إنجليزي، مشهور بكتاباته الجريئة التي اعتبرها البعض إباحية وقتها، من أشهر أعماله رواية "عشيقة الليدي تشاترلي"

الترجمة خاصة بـ Boring Books

تحتفظ المترجمة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتها دون إذن منها

***

د. هـ . لورانس عن IMDB

قالت هنريتا:

 - اسمحي لي يا عزيزتي أن أقول لك إنني لو كنت أبدو قلقة وأنا أستعد لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع خطيبي، الذي سأتزوجه خلال شهر، لبذلت جهدي كي أغير تعبير وجهي أو أخفي مشاعري أو أي شيء من هذا القبيل.

فقالت هستر بضيق وقلة ذوق:

- اصمتي، وإن كان وجهي لا يعجبك فلا تنظري إليَّ.

- أرجوك يا عزيزتي هستر لا تنفعلي كعادتك. انظري في المرآة و ستفهمين ما أقصد.

- ما تقصدينه لا يهم أحدًا! لستِ مسؤولة عن وجهي .

قالتها هستر بيأس، وقد بدا بوضوح أنه لا نية لديها للنظر في المرآة أو اتباع النصيحة المخلصة التي بذلتها لها شقيقتها.

كانت هنريتا الأخت الصغرى، وكانت-لحسن الحظ-غير مخطوبة، لذا انطلقت تدندن بأغنية وقد بدت خالية البال غير عابئة بشيء. لم تكن قد تجاوزت عامها الحادي والعشرين، ولم يكن لديها أية نية للمخاطرة بسلامها النفسي في سبيل الخاتم الخطير، ومع ذلك فكان من اللطيف رؤية هستر «تنزاح» كما يقولون، فقد قاربت هستر عامها الخامس والعشرين.. مرحلة الخطر.

كان أسوأ ما في الأمر نظرة القلق التي صارت جزءًا من وجه هستر منذ ظهر المنقذ جو، تلك النظرة التي صاحبتها ظلال دكناء تحت العينين، وخطوط فوق الوجنتين. حين كانت هنريتا ترى هستر هكذا كانت تعجز عن منع نفسها من الشعور بالقلق والإشفاق، وكانت تكره هذا، لم تكن تستطيع احتمال وطأة ذلك الخوف المفاجئ الذي كان ينتابها ويتردد بداخلها كصدي صوت مضطرب.

وقالت:

- أقصد أنكِ تظلمين جو بهذه الطريقة. إما أن تبسطي أساريرك أو..

لكنها منعت نفسها من إتمام جملتها. كانت تريد أن تقول: «أو لا تذهبي» لكنها كانت تتمنى من كل قلبها أن تتيسر الأمور لهستر وتتم زيجتها لترتاح هنريتا من ذلك الهم الذي يؤرق بالها.

وصاحت هستر قائلةً:

- أوه.. اخرسي.. اخرسي.

وتطاير من عينيها السوداوين الشرر وهي ترمي هنريتا الصغيرة بنظرة، وجلست هنريتا على الفراش ورفعت ذقنها إلى أعلى واستغرقت في التفكير فبدت كملاك يتأمل. كانت تحب هستر حبًّا جمًّا، وكانت تخشي أن تكون نظرة القلق التي تبدو في عيني أختها نذير سوء.

وقالت:

-اسمعي يا هستر.. ما رأيك أن أذهب معكما إلى مارك بِري؟ لا مانع لديَّ إذا ما كنت ترغبين في ذلك.

فصاحت هستر في يأس:

- يا فتاتي العزيزة.. ما جدوى ذلك في رأيك؟

- ممم.. أعتقد أنه سيريحك من عناء أن تكونا معًا وحدكما إذا كان هذا ما
يقلقكِ.

فضحكت هستر ضحكة ساخرة وبصوت أجوف قالت:

- لا تكوني طفلة سخيفة يا هنريتا!

وذهبت هستر وحدها إلى ولتشاير حيث أنشأ خطيبها جو مزرعة صغيرة استعدادًا للزواج والاستقرار. كان قد سئِم من العمل في صناعة السلاح، سيما أن هستر لم تكن لتقبل أن تعيش في منزل ريفي صغير. إن كل امرأة ترى منزلها من خلال خاتم الزواج، أما هستر فلم تر سوى القليل من خلال ذلك الخاتم حتى الآن. ولم يكن ما رأته جزءًا من لندن.. لا جولدرز جرين ولا حتى هارو، بل لقد شَيَّد جو منزلا خشبيًّا صغيرًا بُني اللون، بيديه. كانت تقع خلف ذلك المنزل شجرتا صفصاف عتيقتان وجدول ماء. وعلى الجانبين كانت هناك عشش للدواجن، كما كانت هناك حظيرة للخنازير، خلف سياج من السلك المنيع، وبقرتان ترعيان في حقل، وحصان. كانت المزرعة تقع على مساحة ثلاثين فدانًا ونيف، ولم يكن عند جو من يساعده سوي شاب صغير، لكن بالطبع سوف تساعده «هِس» حين يتزوجان.

كان المكان يبدو جديدًا منظمًا فقد كان جو نشيطًا مُجدًّا، وكان هو نفسه يبدو نظيفًا موفور الصحة سعيدًا بنفسه، حتى إنه لم يلاحظ تلك النظرة القلقة في عيني هستر، ولو حدث ولاحظها فإنه كان يكتفي بأن يقول لها: «تبدين متعبةً يا هستر. إن حياة المدينة لها تأثير سلبي عليكِ أكثر مما تتخيلين. اصبري حتى تعيشي هنا وستجدين نفسكِ قد صرتِ فتاة أخرى».

وكانت هستر تصيح عندئذ قائلةً: «بالتأكيد». وكانت فعلًا تحب المكان. كانت تحب الدجاج الذي يملأ المكان بألوانه البيضاء والصفراء، والخنازير كثيرة الحركة، وأوراق الصفصاف النحيلة الصفراء التي تهطل من الأشجار في ساحة المنزل الخلفية من أغصان الشجرتين العتيقتين المحدودبتين. كانت تحب ذلك كله، لا سيما الأوراق الصفراء حين تغطي الأرض.

كانت تقول لجو إنها تحب المكان وتراه رائعًا، وكان يسعده كثيرًا أن يسمعها تقول ذلك. كان كل شيء يبدو على ما يرام.

حين وصلت هستر أخذت تبدي إعجابها بالمكان وهي تجول في أرجائه حتى دقت الساعة الثانية عشرة والنصف فقامت والدة الشاب الذي يساعد جو بتقديم الغداء. كان الجو مشمسًا للغاية في الظهيرة التي أنفقاها في إتمام مهام صغيرة كثيرة. وبعد العشاء ساعدت هستر والدة الشاب في تجفيف الأطباق.

و قالت لها المرأة:

- لن يمر وقت طويلة يا آنسة قبل أن تتولي أنت الطهي هنا.. على هذا الموقد الصغير الممتاز.

فقالت هستر وهي واقفة وسط المطبخ الصغير الذي ألهب الموقد الصغير الممتاز جوه:

- نعم.. لم يعد هناك وقت طويل!

وغادرت المرأة، ثم غادر الشاب أيضًا بعد الغداء، وأغلق جو وهستر أبواب الحظائر على الدجاج والخنازير، وحل الليل فذهبت هستر لإعداد العشاء وهي تشعر بأنها صارت سخيفة حمقاء نوعًا ما، وأوقد جو نارًا في مدفأة حجرة المعيشة وهو مزهو بنفسه.

كان من المقرر أن يظل هو وهستر في المنزل الصغير حتى يعود الشاب في الصباح التالي. لو حدث هذا منذ ستة أشهر لوجدته هستر ممتعًا جدًّا، فقد كانا منسجمين انسجامًا رائعًا آنذاك. كانا صديقين. وكانت هناك صداقة عميقة بين الأسرتين منذ زمن بعيد. صداقة طويلة العمر. وكان جو شابًّا محترمًا مهذبًا ولم يكن من الممكن أن يصدر منه ما يريب، ولا منها لا قدر الله.

أما الآن، بعد أن قبلت عرضه بالزواج فقد وقع في الخطأ، خطأ الوقوع في حبها. لم يكن هكذا أبدًا في يوم من الأيام. لم يصبح هكذا إلا حين وافقت على الزواج منه، ولو علمت أنه سيتغير هكذا لما ترددت ولو لثانية في أن تقول له: فلنظل صديقين يا جو فالارتباط سينال من جمال علاقتنا. ما إن بدأ يلعب دور الفتى الولهان و يسبل جفنيه ويتكلم همسًا حتى صارت تشعر بأنها لا تطيقه، لكنها كانت تشعر أن عليها أن تحتمل ما حدث فقد كانت تعتقد أن عليها أن تعجبها مثل هذه الأشياء.

وكان جو يقول لها بحزن:

- أعتقد أنك لا تحبينني كما أحبك، للأسف.

فكانت تصيح قائلة:

- وماذا في ذلك؟ لو لم أكن أحبك  كما تحبني أنت فعليك أن تشكر الله على ذلك. هذا كل ما يمكنني قوله.

ولم يكن جو يناقشها فيما تقصده بالضبط بهذه العبارة حمالة الأوجه، فلم يكن من هواة المواجهة، لذا قرر أن يتجاهل الأمر ويدع كل مشاعرها في سلام، في غياهب المجهول. كان ذلك يريحه. هذا كل ما في الأمر.

كان ماهرًا في أمور الفلاحة وميكانيكا السيارات و ما شابه، ولا شك أن هستر كانت معقدة تمامًا كسيارة. لا شك أنها كان لها صماماتها ومحركها وقطعها الصغيرة التي تلائم طرازها! لو أنه فقط يجيد التعامل معها كما يجيد التعامل مع سيارته! كانت في حاجة ماسة إلي من يدير محركها بمهارة، تمامًا كأي سيارة، فحتى لو كانت السيارة أوتوماتيكية فينبغي على الرجل أن يعرف الطريقة المثلى للتعامل معها. كانت هستر تشعر أنها تحتاج إلى من يبذل جهدًا كبيرًا معها كي تتمكن من الانطلاق على طريق الحياة الزوجية مع جو، أما جو -ذلك الأحمق- فقد رَضِيَ بالجلوس في سيارة ثابتة والتظاهر بأنه يقطع مئات الأميال في الساعة.

في ذلك المساء كان اليأس قد بلغ مبلغه بها. في الواقع لم تكن كذلك في فترة الظهيرة حين كانا يؤديان المهام الصغيرة المتعلقة بالمزرعة معًا. بل كانت حينئذ تشعر بأنها تحب وجودها معه، أما الآن وقد حل المساء وصارت وحيدة معه في تلك الحجرة الغبية الصغيرة، أمام نار المدفأة التي توحي بالحميمية، مع جو، ومع غليونه ووجهه الذي يوحي بثقة مصطنعة بالنفس، فإنها لم تعد تستطيع الاحتمال.

وقال جو محاولًا إغراءها وهو يربت بيده على الأريكة إلى جواره:

- تعالي واجلسي هنا يا عزيزتي.

ولأنها كانت تعتقد أن الفتاة اللطيفة لا يمكنها إلا أن تسعد بالجلوس إلى جوار خطيبها فقد ذهبت وجلست بجواره، لكنها كانت تغلي. يا لها من وقاحة أن يطلب منها أن تجلس على الأريكة إلى جواره.. بل يا لها من وقاحة أن يكون لديه أريكة أصلًا.

وشعرت بمقت عميق للأرائك وما توحي به من سوقية وابتذال.

وأجبرت نفسها على احتمال ذراعه التي أحاطت بخصرها، وتلك الطريقة التي كانت عضلاته تعتصرها بها، كنوع من المغازلة فيما يبدو. كان قد أطفأ غليونه بعناية وتمهل، لكنها كانت تدرك كم صار تعبير وجهه سخيفًا إذ بدت عليه تلك الثقة السخيفة بنفسه و«بروعة» ما يفعله! كان وجهه قد فقد كل بساطته وعفويته. يا له من تصرف سخيف أن يربت عنقها بهذه الطريقة.

 يا له من أحمق وهو يلعب دور المحب العاشق! ووجدت نفسها تتساءل عما كان اللورد بايرون، مثلًا، يهمس به لحبيباته. أيًّا كان فهي واثقة أنه لم يكن يقوله بهذه السخافة والحماقة. يا له من شيء مقزز أن يقبلها بهذه الطريقة.

ووجدت نفسها تقاطعه قائلة:

- أُفَضِّل أن تعزف لي شيئًا يا جو.

- لا يمكن أن تكوني راغبة في سماعي أعزف في هذه الليلة يا عزيزتي!

- ولم لا؟ أريد أن أسمع شيئًا من موسيقى تشايكوفسكي. شيئًا ينعشني قليلًا.

فنهض جو في استسلام وذهب إلى البيانو، وعزف بمهارة إلى حد كبير، وظلت تصغي إلى عزفه، ويبدو أن تشايكوفسكي قد أنعشها قليلًا بالفعل. الموسيقي جميلة، لولا أنها تشعر أن محاولات جو التعبير لها عن حبه (لو جاز تسمية هذه الأشياء حبًّا) قد صارت أفظع بعد سماعها هذه الموسيقي.

وبعد انتهائه من العزف قالت له:

- كان ذلك جيدًا. والآن اعزف لي مقطوعتي المفضلة.

وبينما كان يركز ليضع أصابعه في المواضع الصحيحة تسللت خارجة من البيت.

أوه.. وجدت نفسها تشهق في ارتياح حين صافح وجهها هواء أكتوبر. كانت الظلمة شاحبة، وكان القمر يتلألأ في عذوبة في الأفق الغربي. كان نصف قمر ليس إلا. وكان الهواء ساكنًا تشوبه عتمة باهتة بدت وكأنها غلالة من ضباب يلف الأرض.

وهزت هستر رأسها فتحرك شعرها بحرية، ثم أخذت تسير على مهل مبتعدة عن البيت الذي تحول إلي طبل صغير يردد أصداء معزوفتها المفضلة. كانت تبتعد لأنها كانت تريد أن تسمع الموسيقي من بعيد.

أوه.. يا لها من ليلة جميلة. وهزت شعرها القصير ثانية. كانت تشعر أنها كحصان جامح يوشك على الاندفاع نحو اللانهائي، رغم أن اللانهائي هنا ليس سوي جزء من المزرعة المتاخمة لمزرعة جو، لكن هستر كانت تشعر بالغضب ولا تستطيع التعبير عن غضبها بينما كان ضوء القمر الرقيق يغمرها. آه لو أن بإمكانها أن تندفع إلى بعيد.. إلى الحدود البعيدة.. وآه لو كان للحدود البعيدة حد كحد سكين الخبز في منزل جو.

وقالت في نفسها:

- أعلم أنني حمقاء.

لكن ذلك لم يكن ليقلل من شعورها بتلك الموجة من الطاقة الجامحة التي أخذت تسري في ساقيها. آه لو.. لو كان هناك مهرب من تحرش جو! وجعلتها تلك الكلمة الأخيرة تفقد آخر ذرة من احترامها لنفسها، لكنها نطقتها بصوت عال.

لكنها حين اندفعت إلى الحقل المتاخم لمزرعة جو رأت بعض الخيول البرية. للأسف لا يمكنها الهرب من جو وعزفه إلا بالتعدي على ممتلكات الآخرين. الأفضل أن تعود إذن.

لكن بينما كانت في طريق العودة إذ سكت البيانو فجأة. آه.. يا إلهي! ونظرت حولها في جزع. كانت الصفصافة العتيقة تميل فوق الجدول، و ربضت هستر ثم مدت جسدها، وبخفة قطة تسلقت لتختفي بين الأوراق المتشابكة الباردة.

ولم تكد تستقر في مكانها فوق الشجرة حتى رأته يظهر من عند البيت ويتلفت حوله، تحت ضوء القمر، باحثًا عنها. كيف يجرؤ على البحث عنها؟

والتزمت الصمت والسكون وكأنها خفاش يكمن بين الأغصان، وظلت تراقبه وهو يتبختر بقامته المشدودة الرجولية المزعجة وقد رفع رأسه وأخذ يحملق حوله في الظلام. عندئذ بدا لها عاجزًا تافهًا لا حول له ولا قوة.

أين ذهب سحره الرجولي المزعوم؟ لماذا يبدو لها بطيئًا عاجزًا عن مجاراة إيقاع الموقف؟

وسمعته ينادي بصوت منخفض فيه غطرسة، قائلًا:

- هستر! أين اختبأتِ؟

كان غاضبًا في الحقيقة، لكن هستر ظلت ساكنة فوق الشجرة، وحاولت جاهدة ألا تند عنها أية حركة. لم يكن لديها أية نية للرد عليه. كان في كوكب آخر بالنسبة لها. ورأته يتبختر وقد بدا عليه الضيق ثم يغيب عن ناظريها.

ثم أحست بتأنيب الضمير. هذه قسوة منك يا فتاة. لا ينبغي أن تعاملي صديقك المسكين جو بهذه الطريقة. وسرعان ما سمعت صوتًا يغمغم بداخلها قائلًا:

- إنني أسمع تلك الأصوات الرقيقة التي تنادي جو، ذلك الصديق المسكين.

غير أنها لم ترغب في العودة إلى المنزل وقضاء الليلة في قربه، وحدهما.

- بالطبع من السخافة أن أفكر في الوقوع في الحب بطريقته هذه، بل إنني أفضل الوقوع في حب خنزير من خنازيره على مبادلته الحب بتلك الطريقة! هذه الطريقة مبتذلة جدًّا إلي حد مخيف. في الحقيقة ما يفعله دليل على أنه لا يحبني حقًّا كما يدعي.

و اخترقتها تلك الفكرة كطلق ناري.

- كونه يحبني بهذه الطريقة بالذات دليل على أنه لا يحبني كما يدعي، بل هي أكبر دليل على ذلك. لا يمكن أن يفعل رجل مع امرأة أشياء كهذه إذا كان يحبها فعلًا. إنها أشياء مهينة جدًّا لها.

و انخرطت من فورها في البكاء، وبينما كانت تبحث عن منديلها لتجفف دموعها كادت تسقط من فوق الشجرة فأفاقت ورأته على البعد يعود إلى المنزل فشعرت بغصة ، وقالت:

- ماذا كان يضيره لو لم يتسبب في هذا كله من البداية؟ أنا لم أرغب أبدًا في الزواج ولم أحاول أبدًا أن أجعل أي إنسان يقع في حبي. لقد صرت بائسة تعيسة، وأشعر بأنني غير طبيعية لأن أغلب الفتيات-فيما يبدو- يهوين موضوع الوقوع في الحب هذا، وإلا لما أقدم الرجال على فعل ما يفعلونه بهن، ولا بد أن أغلب الفتيات طبيعيات، وإذن فأنا لست طبيعية، كما أنني جالسة فوق شجرة! إنني أكره نفسي. لقد أفسد جو كل شيء بيننا، وأفسد كل ما كان يمكن أن أتزوجه من أجله. إن هذا مقزز. إن الحياة عبث في عبث، وأنا أكره العبث جدًّا.

ثم ذرفت المزيد من الدموع، وفي أثناء ذلك سمعت باب البيت ينصفق بقوة. لقد دخل البيت، ولا بد أنه يشعر بالإهانة. ها هو هَمٌّ جديد يهبط فوق رأسها.

كانت شجرة الصفصاف غير مريحة، وكان الهواء باردًا رطبًا، وإذا ما ظلت معرضة لذلك الجو فستظل تعطس وتسعل طوال الشتاء. ورأت ضوء المصباح من خلال نافذة المنزل.. الضوء الدافئ، وقالت:

- اللعنة!

كانت تريد أن تنفس عن غضبها وضيقها، وإرهاقها.

ثم هبطت من فوق الشجرة فجرحت ذراعها، وربما أيضًا مزقت جوربها الذي كان من أفضل جواربها. فقالت:

- يا للغم! 

واستعدت للعودة إلى المنزل، ولمواجهة جو.. جو المسكين.

وقالت في نفسها:

- لن أسميه صديقي جو المسكين ثانية.

وفي اللحظة نفسها سمعت صوت سيارة تبطئ ثم تطلق بوقها المنخفض بحذر، بينما كان ضوء كشافاتها يبدو كبقعة ثابتة قرب سياج جو الحديدي.

وقالت هستر:

-اللعنة! اللعنة! ها قد جاءت هنريتا من أجلي!

ثم عادت جريًا إلى المنزل وهي تسمع صوت هنريتا الصغيرة يتناهى إلى أذنيها وهي تهرول وكأنه يطفو سابحًا خارج السيارة التي لم تكن تتبين معالمها في الظلام:

- كيف حالك يا هستر؟ كيف تسير الأمور؟

فصاحت هستر قائلة:

-يا للغم! يا للغم!

ثم استندت على السياج الحديدي وأخذت تلهث، وسمعت هنريتا تقول برقة:

- كيف تسير الأمور؟

فقالت هستر وهي لا تزال تلهث:

- ماذا تقصدين؟

- لا تغضبي هكذا يا حبيبتي. لم نكن سنأتي لو لم تخرجي. لا تظني أننا جئنا متطفلين. سنُخيِّم في مزرعة بونامي. أليس الجو رائعًا؟

كان بونامي صديقًا لجو وكان زميلًا له في عمله السابق أيضًا، كما أنه أقام مزرعة لا تبعد عن مزرعته سوى ميل واحد. لم يكن جو  وحيدًا كروبنسون كروزو بأي حال من الأحوال إذن. 

وقالت هستر:

- من الذي أتي أيضًا؟

فسمعت دونالد الذي كان جالسًا في مقعد السائق يقول:

- نفس الوجوه القديمة

كان شقيقًا لجو. وكانت هنريتا تجلس إلى
جواره.

ثم تناهى إلى أذني هستر صوت تيدي الذي أطل برأسه من نافذة السيارة وهو
يقول:

- لم ينقص أو يزد أحد على المجموعة المعتادة.

كان تيدي شقيق جو أيضًا..

وقالت هستر:

-حسنًا. أعتقد أنكم ما دمتم قد جئتم إلى هنا فلا بد أن تدخلوا. هل تناولتم عشاءكم؟

فقال دونالد:

- نعم، ولكننا لا نريد أن نزعجكِ يا هستر فلا تشغلي بالك بنا.

فصاحت بعصبية قائلةً:

- ولم لا؟

- لا نريد أن نضايق جو.

وقالت هنريتا بقلق:

- وكذلك يا هستر.. فـ.. أنت لا ترغبين في وجودنا هنا.

فصاحت محتجة في ألم:

-لا تكوني غبية يا هنريتا

ثم قالت:

- ادخلي ولا داع ٍ للمزيد من هذه الترهات.

فقال دونالد:

- مرة ثانية يا هستر.

وقال تيدي:

- لا داع لهذا.

فصاحت هستر:

- يا لكم من حمقى جميعًا. لماذا لا تدخلون؟

فأجابها دونالد قائلًا:

-نحن خائفان من شقيقنا الأكبر.

فقالت:

-إذن سآتي أنا معكم.

ثم فتحت البوابة بسرعة، فقالت هنريتا وهي تمد ساقيها الطويلتين لتترجل من السيارة:

-
هل يمكنني أن ألقي نظرة فقط؟ إنني أتحرق شوقًا لرؤية المنزل!

كان الظلام قد خيم على المكان تمامًا إذ غاب القمر بينما كانت الفتاتان تسيران منكمشتين على الممر الترابي المفضي إلى المنزل، لكن هنريتا قالت:

- أرجو أن تكوني صريحة معي يا هستر. لو كان في قدومي إزعاج لكِ أو لجو فلا تترددي في مصارحتي بذلك.

كان القلق يسيطر على عقلها وكانت تتمني أن تفهم الموقف، إلا إن هستر ظلت تسير دون أن تجيبها، ووضعت هنريتا يدها على ذراع أختها فأزاحتها تلك الأخيرة وهي تقول:

-عزيزتي هنريتا.. أرجو أن تتصرفي بطريقة طبيعية!

ثم صعدت الدرجات الثلاث التي تفصلها عن باب المنزل بسرعة، و أزاحته فانفتح كاشفًا عن حجرة المعيشة التي كانت تسبح في ضوء المصباح بينما كان جو جالسًا في مقعده ذي الذراعين قرب المدفأة وقد كادت نيرانها أن تخبو. كان قد أولى ظهره للباب، ولم يلتفت حين انفتح الباب لينظر إلى القادم، وصاحت هستر:

-
لقد جاءت هنريتا!

وكانت نبرة صوتها توحي بأنها تقصد أن تقول:

- ما رأيك في هذا الآن؟

ونهض جو وهو يلتفت إليهما. كان الغضب باديًا في عينيه البنيتين البارزتين في وجهه جامد القسمات، ثم قال بوقاحة:

- كيف جئت إلى هنا؟

فقالت الفتاة البريئة:

- جئت في السيارة

وقالت هستر:

- مع المجموعة.. 

- و هل ستدخلون؟

فقالت هستر:

- تيدي ودونالد. إنهما في الخارج.

 فقال جو وقد ازداد الغضب في صوته ضراوة:

- هل ستدخلون؟

فقالت هستر:

- أعتقد أنه ينبغي أن تخرج إليهما وتدعوهما للدخول.

لكن جو لم يعقب، ولم يفعل أي شيء، بل ظل متجمدًا في مكانه.عندئذ قالت هنريتا بحرج وخنوع:

- أعتقد إنك تريد أن تقول إنها قلة ذوق من جانبي أن آتي وأتطفل عليكما، لكننا في الحقيقة ذاهبون إلى مزرعة بونامي وليس في نيتنا أن نبقى معكما.

ثم دارت بعينيها في أرجاء المكان  قبل أن تقول:

- المكان هنا صغير وجميل. إنه ينم عن ذوق جميل لكن دون بهرجة أو مبالغة. هل يمكن أن أدفئ يدي قليلًا؟

فابتعد جو ليفسح لها مكانًا أمام المدفأة. ومدت هنريتا يديها اللتين احمرتا
بشدة بسبب برودة هواء الليل أمام النيران، ثم قالت:

-
سوف أغادر في الحال.

فقالت هستر وهي تمط حروفها بطريقة غريبة:

- أوووه. لا تفعلي هذا!

- ينبغي أن أغادر الآن فتيدي ودونالد في انتظاري.

كان الباب مفتوحًا وكانت أضواء السيارة الأمامية ظاهرة لهم. وقالت هستر بنفس الطريقة الغريبة ثانيةً:

- أوووه. سأخبرهم بأنك ستمكثين معي الليلة. يمكنني تدبر أمري في وجود شخص ثالث برفقتنا. لا تقلقي.

عندئذ نظر إليها جو قائلًا:

- ما اللعبة التي تحاولين لعبها؟

- لا أحاول أن ألعب أية ألعاب. كل ما في الأمر أنه لماذا لا تبقى تاتي طالما جاءت بالفعل إلى هنا؟

كان تاتي اسم تدليل يندر استخدامه عند الحديث عن هنريتا، التي قالت:

- أوه.. لكن يا هستر أنا ذاهبة إلي مزرعة بونامي مع تيدي ودونالد!

- ليس إذا أردتكِ أن تبقي معي!

فبدت هنريتا مندهشة ، ثم مستسلمة، أما جو فقال ثانية:

- ما اللعبة؟ هل اتفقتما على مجيئها إلى هنا الليلة؟

فقالت هنريتا ببراءة لا حدود لها:

- لا يا جو صدقني. لم يكن لديَّ أية فكرة عن أن هذا سوف يحدث. لم يكن في نيتي أبدًا الحضور إلى هنا حتى اقترح دونالد ذلك في الساعة الرابعة ظهر اليوم. كل ما في الأمر أن الجو كان رائعًا جدًّا فكان علينا أن نخرج ونستمتع به، وهكذا قررنا الذهاب إلى مزرعة بونامي، وأتمنى ألا ينزعج هو الآخر من قدومنا.

فتدخلت هستر قائلة:

- وحتى لو كنا قد خططنا لذلك كما تقول فليس الأمر جريمة. وعلى أية حال طالما أتيتم إلى هنا فمن الأفضل أن تخيموا هنا.

- أوه يا هستر. أنا متأكدة من أن دونالد لن يوافق أبدًا على الدخول، بل ولا على اجتياز البوابة حتى. لقد غضب جدًّا حين جعلته يتوقف، كما أنني أنا التي أطلقت بوق السيارة. لم يكن هو من فعلها بل أنا. إنه فضول المرأة فيما أعتقد.أيًّا كان السبب فهذا ما حدث مني. أنا التي اندفعت كالمعتاد، ومن الأفضل أن أذهب الآن بأقصى سرعة. طاب مساؤكما.

ثم أحكمت لملمة أطراف معطفها حول جسدها وتوجهت إلي الباب وهي تبدو شاردة فقالت هستر:

-
في هذه الحالة سآتي معكِ.

- لكن يا هستر..

قالتها هنريتا فيما يشبه الصياح ثم نظرت إلى جو متسائلة، لكنه قال:

-لا أعرف أكثر مما تعرفين.

وكان وجهه متحجرًا غاضبًا فلم تستطع هنريتا قراءته، فصاحت:

-هستر.. تعقلي! ماذا جرى؟ لماذا لا تفسرين ما تفعلين على الأقل؟ وتعطينا فرصة لنفهم؟ إنك تقولين لي دائمًا: كوني طبيعية، كوني طبيعية، فماذا جري الآن؟

ثم ساد صمت ثقيل.. صمت ذو مغزى، قبل أن تقول هنريتا:

- ماذا جرى؟

كانت عيناها تلمعان بنظرة حزينة متألمة، وكانت طريقتها توحي بأنها تصر على أن تتعامل مع الأمور بالعقل، وقالت هستر في سخرية:

- لا شيء بالطبع!

فقالت هنريتا وهي تلتفت إلى جو وقد بدت نظرة تعاطف في عينيها، كأنها محام جل همه أن يبرئ ساحة موكله الذي يتعرض للظلم:

- هل تعلم أنت يا جو ما السبب إذن؟

ولبرهة وجد جو نفسه يشعر بأن هنريتا ألطف بكثير من أختها، ثم قال:

- كل ما أعرفه هو أنها طلبت مني أن أعزف لها على البيانو، ثم تسللت من المنزل، ولا أعرف إلى أين ذهبت.لا أعلم إلى أين أخذها محركها.

- ها ها ها!

كانت هستر هي التي أطلقت تلك الضحكة الميلودرامية المصطنعة، ثم قالت:

-يعجبني هذا. تعجبني حكاية «تسللت من المنزل هذه». لقد خرجت لأستنشق بعض الهواء. أريد أن أعرف من منا الذي لم يعد يستطيع السيطرة على محركه؟ أنا أم ذلك الذي يتهمني بالتسلل هاربة من المنزل؟

فقال جو:

- لقد تسللتِ هاربة من المنزل بالفعل.

- أوه. وما الذي قد يجعلني أفعل شيئًا كهذا؟

- أعتقد أن لديكِ أسبابك التي لا يعلمها سواكِ.

- نعم لديَّ أسبابي، وهي أسباب وجيهة جدًّا بالمناسبة.

ولبرهة سيطر على الجميع الذهول الذي يعقد الألسنة. كان جو وهستر يعرفان بعضهما جيدًا منذ زمن بعيد، أما الآن، أما الآن!

وقالت هنريتا بصوت واهن ساذج:

-
لكن لماذا؟ لماذا يا هستر؟

- ماذا تقصدين؟

وعندئذ سمعوا جميعًا صوت بوق السيارة المنخفض ينطلق فصاحت هنريتا وهي تلف المعطف حول جسدها وتلتفت بحسم نحو الباب:

- إنهما ينادياني. وداعًا!

فقالت هستر:

- إذا غادرتِ يا فتاتي فسأغادر معكِ.

فصاحت هنريتا في ذهول:

- لكن لماذا؟

وانطلق النفير ثانية ففتحت الباب وقالت:

- نصف دقيقة وسأكون معكما!

ثم أغلقته ثانية والتفتت إلى هستر دون أن يفارقها ذهولها وقالت:

- لماذا يا هستر؟

فضيقت هستر عينيها في ضجر. كانت لا تطيق رؤية جو الذي حوله الغضب إلى قطعة من الخشب.

-  لماذا؟

-  لماذا؟

ردد الصوت سؤال هنريتا بوهن، وتحولت الأنظار إلى هستر، لكنها ظلت كتابًا مغلقًا يأبى البوح بأسراره الدفينة بين صفحاته.

وقال جو فجأة وكأنه عثر أخيرًا على طوق النجاة:

- هي نفسها لا تعرف ما هذا الذي تفعله، أو لماذا تتصرف بهذه الطريقة.

عندئذ رنت ضحكة هستر المسرحية ثانية، ثم ارتسم على قسماتها تعبير غاضب غريب وهي تقول:

-أوه.. حقًّا؟ حسنًا. طالما أنت مصر على أن تعرف فدعني أقل لك إنني لا أطيق تلك الطريقة التي تحبني بها، إذا كنت تسمي ما تفعله بي حبًّا.

فتركت هنريتا مقبض الباب ثم تهاوت فوق مقعد وغاصت فيه بوهن. وتطورت الأمور من سيء لأسوأ إذ احتقن وجه جو لدى سماعه هذه الكلمات فصار قرمزي اللون، ثم شحب وكأن الدم يغادره فصار شديد الصفرة، وقالت هنريتا بصوت أجوف:

- إذن لا يمكن أن تتزوجيه.

فقال هستر:

- لا يمكنني الزواج منه إذا ظل يحبني.

و ضغطت على كلمة «يحبني» لتؤكدها في غضب واضح، فقال هنريتا البريئة:

- ولا يمكنك الزواج منه إذا لم يكن يحبك أيضًا.

فصاحت هستر:

- ولم لا؟ لم تكن هناك أية مشاكل في شعوري نحوه حتى بدأ يحبني كما يقول. كان كل شيء جيدًا، أما الآن فلم يعد يطاق مطلقًا.

وساد الصمت لبرهة قبل أن تقول هنريتا:

- ولكن يا هستر من المفترض أن يحب الرجل المرأة التي سيتزوجها.

-إذن فمن الأفضل أن يحتفظ بحبه لها في داخله. هذا كل ما يمكنني قوله.

وساد الصمت ثانية، وظل جو صامتًا غاضبًا وقد شاب غضبه شيء من التصاغر، فبدا
وكأنه يخشي شيئًا.

- ولكن يا هستر ألا تريدين أن يحبك رجل؟

- لا أريد أن يحبني أحد.لا أريد أن أضطر إلى احتمال ما لا أطيق يا فتاتي.

- إذن فمن الواضح أنه لا يمكنكِ أن تتزوجيه.. للأسف.

 ثم صمت آخر.

وقالت هستر:

- ليس في هذه الدنيا ما هو أكثر إهانة من أن يعبر لكِ رجل عن حبه كما يقول
يا هنريتا. إنني أمقت هذا.

فقالت هنريتا بحزن وهي تلقي نظرة على جو الذي تسمر مكانه في غضب وخنوع: 

- ربما لأنه ليس الرجل المناسب.. ربما ليس هو الرجل المقدر لكِ أن تكوني
معه.

- لا .. لا أعتقد أنه يمكنني أن أطيق فعل هذه الأشياء مع أي رجل يا هنريتا. هل تعلمين كيف يكون شعورك وهو يربت على أجزاء جسدك ويعتصرها؟ إنه شيء فظيع وسخيف وقبيح للغاية.

فقالت هنريتا وقد استغرقت في التفكير وبدا عليها الحزن:

- نعم.. وكأنكِ صرتِ فطيرة لحم مجانية يلعقها كلب على مهل وتلذُذ قبل أن يلتهمها. إنه شيء مقزز جدًا. أتفق معكِ في ذلك.

- والأفظع أن يتدنى رجل محترم وينحدر بنفسه إلى ذلك المستوى. صدقيني ليس هناك أفظع من رجل في حالة حب كهذه. 

فقالت هنريتا بحزن:

- أفهم ما تقصدين يا هستر. إنه شيء مخزٍ.

ومن الخارج ارتفع صوت نفير السيارة يوحي بنفاد الصبر، ونهضت هنريتا وكأنها محام خسر قضيته، ثم فتحت الباب وصاحت:

-
اذهبا بدوني. سوف آتي مشيًا فلا تنتظراني.

- إلى متي ستتأخرين؟

- لا أعلم. إذا وجدت نفسي لا أزال راغبة في المجيء فسآتي مشيًا.

-لا.. سنعود لنأخذك خلال ساعة.

فصاحت بصوت حاد:

- حسنًا 

ثم صفقت الباب أمام الوجهين البعيدين وجلست وقد بدا عليها الحزن الشديد، وغرقت في الصمت الذي خيم بثقله على الحجرة. كانت مصرة على الوقوف إلى جانب هستر ضد ذلك الأحمق جو الواقف في مكانه كخنزير غبي. وسمع الجميع صوت السيارة تبتعد.

وقالت هنريتا بحزن:

- الرجال مقززون.

فقال جو فجأة وقد بدا الحقد في صوته:

- على أية حال أنت مخطئة.أنا لا أحبك يا «آنسة ذكية!»

ونظرت الفتاتان إليه وكأنهما تريان ميتًا ينهض، وأردف هو يقول:

- ولم أكن أبدًا أحبك بتلك الطريقة.

كانت عيناه البنيتان تضطرمان بلهب الخزي والغضب، والرغبة المجردة، وقالت
هستر ببرود:

- إذن لقد كنت تكذب. هذا كل ما يمكنني أن أقوله.

وقالت هنريتا بغضب لاذع:

- إذن هل تقصد أن تقول إنك كنت تمثل دورًا؟

فقال وقد علت شفتيه ابتسامة خبيثة جمدت الفتاتين في مكانيهما كالمصعوقتين:

- كنت أعتقد أنها تتوقع مني أن أفعل ما كنت أفعل!

لو أنه تحول إلى أفعى ذات أجراس أمام أعينهما لما زاد ذهولهما عما شعرتا به في تلك اللحظة. كانت تلك الابتسامة الشريرة صادمة. هل هذا حقًّا هو جو؟ جو صديقهما القديم؟ جو اللطيف المسكين؟

وكرر جو، وكأنه يحاول إغاظتهما، أو إهانتهما:

-
كنت أعتقد أنكِ تتوقعين مني ذلك!

وذعرت هستر حين سمعته يقول ذلك، أما هنريتا فقالت:

- يا لها من حقارة أن تفعل شيئًا كهذا!

فصاحت هستر:

- ويا لها أيضًا من كذبة! لقد كان يستمتع بذلك!

فقالت هنريتا:

- هل تعتقدين ذلك يا هستر؟

فقال جو بصفاقة:

- كنت أستمتع به نوعًا ما، لكنني لم أكن لأستمتع به لو أنني كنت أشعر أنها لا تستمتع به هي الأخرى.

فطوحت هستر ذراعيها في الهواء وصاحت قائلة:

-هنريتا.. لماذا لا نقتله؟

فقالت هنريتا:

- وددت لو أن بوسعنا ذلك.

- ماذا كنتِ أنتِ لتفعلي لو كنتِ مكاني؟ ماذا لو كنتِ رجلا مثلي وكنتِ تعرفين أن الفتاة التي ستتزوجينها متحفظة صارمة نوعًا ما، وكنتِ تحبين ذلك فيها. ماذا لو كنتما ستتزوجان خلال شهر.. وعليكِ أن تفعلي أي شيء كي يمر الوقت بسرعة؟ ثم.. ثم هل يختلف ما أفعله عما كان يفعله رودلف فالنتينو؟ إنك تحبين ذلك الممثل رغم أنه يفعل ذلك في أفلامه!

- لقد مات. رحمه الله، لكنني كنت أكرهه حين كان حيًّا ولم أحبه يومًا ما!

- لم يبدُ عليكِ أنك تكرهينه.

-على أية حال أنت لست رودلف فالنتينو، وأنا أكرهك حين تتظاهر بأنك هو.

- لن تضطري إلى احتمالي وأنا ألعب دوره ثانية، فأنا أكرهك بوجه عام.

- أنا سعيدة لسماع هذا يا بني.

ثم ساد صمت طويل قبل أن تقول هنريتا بحزم:

- حسنًا.. انتهى الأمر. هل ستأتين معي إلى بونامي يا هستر أم أبقي أنا معكِ هنا؟

فقالت هستر بطريقة استعراضية، وكأنها تتباهي بشجاعتها:

- لا يهمني يا فتاتي.

فقال جو:

-وأنا أيضًا لا يهمني أن تبقي أو ترحلي، لكن دعيني أقل لكِ إنها كانت حقارة منكِ ألا تخبريني بصراحة من البداية.

فقالت هستر:

- كنت أعتقد أنك تفعل ما تفعله بدافع من مشاعر صادقة فعلا فلم أشأ أن
أجرحك.

- نعم.. صحيح.. صحيح. بالطبع واضح جدًّا أنكِ لا تريدين أن تجرحيني.

- تقصد الآن؟ تغير الأمر الآن. فطالما كنت تتظاهر وحسب لم يعد يهمني أن أجرحك.

فقال متحديًا:

- نعم.. لا يهم.

ثم ساد صمت قبل أن يتناهى إلى آذان الجميع دقات الساعة السريعة، الساعة التي كان من المفروض أن تكون ساعة منزل الزوجية، منزلهما.

وقال جو:

- على أية حال فقد خذلتيني.

- أنا سعيدة لسماع ذلك بعد أن عرفت أنك كنت تمثل.

فنظر في عينيها مباشرة. كانا يعرفان بعضهما البعض جيدًا. لماذا؟ لماذا لعب لعبة الحب السخيفة هذه؟ كانت هذه خيانة لعلاقتهما الوطيدة البسيطة الجميلة. أدرك جو ذلك فشعر بالندم.

ورأت هي الحب الصادق الصبور في عينيه، والرغبة الغريبة الهادئة، تلك الغريزة الأساسية. كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها تلك الرغبة الغريزية الهادئة في عينيه.. تلك الرغبة التي عذبته في صغره، والتي تبحث لها عن متنفس مع تقدمه نحو النضج. و شعرت بموجة حارة مفاجئة تسري في قلبها و تجتاحها، وشعرت بنفسها تتجاوب مع رغبته.

وقالت هنريتا:

- ماذا قررتِ يا هستر؟

- سأبقى مع جو.

- حسنًا. سوف أذهب إلى مزرعة بونامي.

ثم فتحت الباب بهدوء ورحلت.

ونظر جو وهستر إلى بعضهما البعض.. عن بعد.

وقال جو:

-أنا آسف يا هستر.

فقالت هستر:

- إنني لا أمانع أن تفعل ما تفعله يا جو إذا كنت تحبني حقًّا.