مسامرات الشعب: سر ولا سر

2026-01-24 - Amir Zaky

تتمثل الرسالة الأخلاقية للقصة في نقد الغيرة الحمقاء، ولكن، إذا نظرنا نظرة أعمق، نرى نقدًا لحمق الادعاء الذكوري بالحماية والسيطرة على عفة المرأة وحركتها.

سر ولا سر

جزء من الفصل الخامس من كتاب مسامرات الشعب

تأليف: سماح سليم

ترجمة أمير زكي

الترجمة صدرت عن دار ديوان يناير 2026

نُشر الجزء في أخبار الأدب يناير 2026


مولدة من Gemini

إستر مويال (1873-1948) صحفية سورية يهودية، ومترجمة وناشطة نسوية، أقامت في القاهرة منذ عام 1897 حتى عام 1904. أسست في القاهرة جريدة بعنوان "العائلة" (1899-1907)، وكانت مُساهِمة دائمة في صحف رائدة أخرى في تلك الحقبة (ومن ضمنها الأهرام والهلال). اشتهرت مويال بترجمتها لعدد من الأعمال من القرن التاسع عشر من الأدب الفرنسي إلى العربية، ومن ضمنها أعمال لبالزاك، بالإضافة إلى أنها كتبت سيرة عن إيميل زولا. نشرت عملين أدبيين في العدد نفسه من "مسامرات الشعب" عام 1906، وهما "الخنجر التركي" و"سر ولا سر"، ولم تنسب أيًّا منهما إلى مؤلف؛ إذ ذكر الغلاف الداخلي أنها "مقتبسة عن الفرنسية" فحسب.

"سر ولا سر" محاكاة ساخرة ذكية لنمط أدب الإثارة الذي مثلته الروايات العربية المبكرة مثل "أسرار مصر". قُدِّمت الرواية على أنها اقتباس، جرت أحداثها في باريس بين مجموعة شخصيات فرنسية. إدموند، شاب برجوازي ثري وحساس، تعكس ملامحه الوسيمة "آيَ التأثيرات القلبية والانفعالات النفسانية … كسطح بلوري من الماء الصافي العذب"، يصير مهووسًا بالمرأة الجميلة والغامضة. بعد أن يبذل جهدًا كبيرًا، يعرف من تاجر نبيذ محلي أن مدام آنجيل لوجيل شابة وأرملة شديدة الثراء، وأنها "سيدة مصونة شريفة الاسم قويمة المنهج لم يشُب ذكرها شبه شائبة". ظل يسير في محيط قصره، يفكر يائسًا كيف يتعرف عليها، إلى درجة أنه كان يتجاهل تناول الطعام أو النوم أو التردد على الصالونات المعتادة. يلاحظ إدموند أن مدام لوجيل لا تخرج إلا "للنزهة أو إلى مخازن القماش أو إلى الخياطة والموديسته، ولا تقبل في يوم قبولها الزيارات إلا نفرًا قليلًا من أصحاب وأقارب المرحوم زوجها"، ومع ذلك، وفي إحدى الليالي، يلاحظ قزمًا شديد الغرابة والقبح يجول حول المكان. أشارت مدام لوجيل إشارة إلى هذا القزم عند عودتها إلى منزلها بعربتها. قاد إدموند فضولُه المشتعل ليتبع القزم إلى مطعم، حيث حاول أن يصادقه ويسأله، وكل ما استطاع اكتشافه هو جنسية هذه الشخصية الغريبة: إنه أمريكي متجول. في اليوم التالي، راقب حبيبته، ولشدة صدمته ورعبه، اكتشف أنها تدخل الفندق الذي يقيم فيه القزم الأمريكي الغامض. انكسر قلبه، وقرر السفر خارجًا من أجل أن ينسى حبه، ولكنه يخفق في النسيان، ويعود إلى باريس بعد أسابيع من الحزن والعذاب، ثم يقرر أن يتخذ قرارًا كبيرًا. يكتب رسالة مشتعلة بالحب يعلن فيها ولهه بمدام لوجيل، وعندما لا يتلقى ردًّا على الرسالة، يكتب أخرى يهددها فيها بأن يكشف "سرها" المتعلق بالقزم حتى توافق على اللقاء. وفي اللقاء، يقترح اتفاقًا: على مدام لوجيل أن تستقبله هو وبعض الزائرين الآخرين المنتظمين كل ليلة لمدة ثلاثة أشهر. وفي نهاية تلك الأشهر الثلاثة، إذا لم تحبه فسيُقسِم أنه لن يُظهِر لها وجهه مجددًا. غضبت مدام لوجيل، ولكنها، مع ذلك، أُجبِرت على قبول هذا الاتفاق. تقع لوجيل في غرام إدموند، وفي النهاية، يتزوج الاثنان ويصيران سعيدين، ويُنسى القزم الغامض كلية. حتى يحل أحد الأيام، ويلاحظ إدموند زوجته وهي تخفي عنه رسالة سريعًا، فتعود إليه كل شكوكه المبكرة عن مدى فضيلة زوجته، ويُذكِّر نفسه بالمكر "الغريزي المنسوب للنساء". بدأ في التجسس عليها مجددًا. وفي صباح أحد الأيام، يراها تشير من النافذة للقزم الأمريكي نفسه. شعر بالغضب، وقرر الانتقام، وراقبها إلى الفندق الذي يقيم فيه القزم، واندفع إليهما في الفصل الأخير الذي حمل عنوان "السر المكنون"، ليجد الشرير منخرطًا في الفحص السنوي لواحدة من أسنان زوجته الأمامية التي انكسرت ورُمِّمت منذ عدة سنوات. يتضح أن "السر" في الحقيقة هو أن القزم الخبيث ليس سوى طبيب أسنان عائلة مدام لوجيل، وأن هذه الكبرياء النسوية، التي تخفي سر عطب السن، كانت السبب في أن تكون اللقاءات غامضة. في ختام هذا اللقاء الهزلي والمضحك بين إدموند والدكتور ويلسون، طبيب الأسنان القزم، يضع إدموند، الذي كان يشعر بخجل شديد، قبلة نادمة على سن زوجته الصناعية، بينما كانت العربة تقودهما إلى المنزل. تنتهي الرواية بسؤال السارد الساخر للقارئ: "وأنت يا عزيزي القارئ، ماذا كنت تفعل لو كنت في محله؟"

سيُقدِّر القراء العرب بالتأكيد الخاتمة الكوميدية بسبب أنهم على معرفة بالتقاليد السردية التي تسخر منها الرواية، وذلك بفضل كم روايات الإثارة المتاحة في السوق في تلك الحقبة. بالطبع، تتمثل الرسالة الأخلاقية للقصة في نقد الغيرة الحمقاء، ولكن، إذا نظرنا نظرة أعمق، نرى نقدًا لحمق الادعاء الذكوري بالحماية والسيطرة على عفة المرأة وحركتها. إذا كان إدموند هو بطل الرواية فهذا بسبب المحاكاة الساخرة (ومن ثم الرسالة الأخلاقية) التي تعتمد على التصوير المبالغ فيه لعواطفه وقلقه، وتجسسه وتآمراته، وتضخُّم "حساسيته" المرضية التي تقود أفعاله، والأكثر إثارة للاهتمام تفسيره الخاطئ لتحركات حبيبته. في المقابل، تتشكل شخصية مدام لوجيل عبر تحركاتها (إنها "حرة ومطلقة التصرف": في أغلب الرواية، تظهر وهي تتحرك بعربتها إلى أماكن مختلفة، وتتلقى الإشارات أو تلقيها للناس وتتواصل معهم. إنها امرأة "متحركة"، ولا تأذن أحدًا في حركتها، وتظل كذلك حتى عندما تتزوج إدموند كنتيجة لتصرفه العجيب المتسم بالعنف المتسامي؛ إذ يُجبِرها على أن تخضع لمطاردته "ليعاشرها ضد إرادتها"، وهي مجبرة على الخضوع على الرغم من تقززها:

"إذا كنت أنت تحبني فما ذنبي أنا يا ترى؟ ما الذي جنيته حتى تُحمِّلني أثقال مقابلتك مدة ثلاثة شهور بالرغم عني؟ أهكذا يفعل الرجال ذوو الشرف والإنسانية؟ لماذا لا تبحث لك عن غيري أو تلهو بالأسفار عن حب من لا تحبك ولم تدرِ بوجودك إلا بعد أن أثقلت عليها وطأة تجسسك وترقبك، وكدت تثلم شرفها بالتزامك خطواتها واقتفائك أثرها ومراسلتك لها بتلك الرسائل الطويلة العريضة التي لم تكد تنهي تلاوتها مرة؟"

السؤال الذكي، الذي يطرحه السارد عند نهاية الرواية، يدعو القارئ صراحة إلى التأمل في الأعراف الجنسية والجندرية المبنية على أساس الإرادة المحضة للسلطة، والتي تتبدى في ممارسات السيطرة والإخضاع، وفي هذه المرة، تجري هذه الممارسات خارج حدود الأعراف الاجتماعية المحلية (تجري هذه المرة في باريس، في رواية فرنسية مسلية)، ولكن الغرض هو استدعاء تأمل عميق في الممارسات المحلية، وهي، من هذا المنطلق، تحمل القدر نفسه من العبثية. تعتمد "الرسالة الأخلاقية" في القصة بالتأكيد على هذه الإزاحة، إزاحة تستعير رواية "إفرنجية". هكذا، تصير هذه الاستعارة ميكانيزم يتمكن به النص من توصيل معناه ورسالته إلى القارئ العربي.

كما ذكرت سابقًا، نشرت مويال الرواية على أنها اقتباس عن رواية فرنسية، دون إشارة إلى المؤلف الأصلي. ناقشت في الفصل الثالث وأناقش في الثامن الطرق التي كان بها الاقتباس الأدبي مجازًا واستراتيجية تدفع الممارسات الكتابية المستقلة، ومن ضمنها، ممارسة الترجمة المزيفة. ربما يكون اقتباس مويال مناسبًا ليكون مثالًا على هذه الممارسة الأخيرة. النص مزيج يضم مجموعة من أنماط السرد المميزة والمتنافرة لتشكل نوعًا من المخزون الذي يتلاعب بأركيولوجيا النوع الأدبي، وهي من ثم تلقي الضوء على بنى هذا النوع وتقنياته. تلك الأنماط والتقنيات تُوظَّف لتخلق مناخًا من الغموض والإثارة المتصاعدين تعتمد عليهما المحاكاة الساخرة لتحقيق الذروة. من ثم نخطئ حين نقرأ "سر ولا سر" على أنها محاولة غير ناضجة أو غير ناجحة لتكون رواية (أو أن نعُدَّها ترجمة سيئة). يدل المزيج المشاغب، الذي تستعين به مويال، على مستوى من الخبرة في القراءة والكتابة يسمح لها بتوظيف الشكل الروائي لتحقيق مقاصدها السردية والسياسية. تبدأ الرواية بتقنيات الشكل الواقعي النموذجية؛ إذ تعتمد على الزمن الخطي، والوصف الجسدي المفصل، والتخطيط الجغرافي الدقيق للمشهد الحضري، وتستعين لغتها بأعراف روايات الإثارة، بتركيزها على الإنكار الإيروتيكي والعذاب الأخلاقي، ولكنها أيضًا تنسج في هذا النسيج الواقعي مجموعة من البنى والموتيفات المرتبطة بالحكاية العربية العائدة إلى العصر الوسيط، مثل الحكمة، والحذف والتكرار، وموتيف الزوج الديوث، أو المحن المتكررة التي يمر بها العاشق. تُذكِّرنا المساومة، التي عقدها إدموند مع مدام لوجيل، والتي يستتبعها استقباله ضيفًا في منزلها لتسعين يومًا متتالية، بامتحانات التحمل والإرادة الموجودة في قصص "ألف ليلة وليلة". ينطبق الأمر نفسه على الغموض الذي يتبدد من خلال حوادث عادية ورتيبة. تمثل شخصية القزم الأمريكي إحالة واعية إلى شخصية الأحدب في قصة "الأحدب وملك الصين" بألف ليلة وليلة. يتجلى هذا بأوضح شكل في المشهد الطويل بالمطعم حين يراقب إدموند المذهول القزم نكد المزاج وهو يلتهم صامتًا سبعة أطباق وسبع زجاجات من النبيذ، يراقبه إدموند على مدار صفحات ثلاث دون أن يجفل له جفن. توظف هوية القزم الأمريكية الغامضة نوعًا أدبيًّا ثالثًا يساهم في دفع السرد بالنص؛ إذ إن الهوية الأمريكية تستدعي أدب المحققين الرائج، الذي انتقل إلى العربية، وكانت شخصية المحقق الأمريكي المستقل الحاذق تهيمن على هذا الأدب، بالإضافة إلى العالم السفلي الإجرامي القاسي الذي يعيش فيه. في نهاية وجبة الدكتور ويلسون الملحمية، يفر أخيرًا من إلحاح تساؤلات إدموند المحسوبة؛ إذ ظن أنه ضابط شرطة، قائلًا: "أنا رجل حر من سكان أميركا الحرة فأي علاقة يا ترى بيني وبين بوليس باريس؟" نرى هذا اللعب والابتكار مرارًا في الأعمال الأدبية المقتبسة المنشورة في هذا الحقبة؛ لذلك لا بد من إعادة الاعتبار إلى هذه الأعمال التي نظرت إليها الأجيال المبكرة من النقاد على أنها محاكاة وتقليد وإفساد للنصوص الأصلية في "المراحل" الأولى للرواية العربية؛ إذ نحتاج إلى أن ننظر إليها على أنها شكل من (إعادة) الكتابة الخبيرة والواعية التي سعت إلى تحقيق مقاصد أدبية واجتماعية محددة. ويمكن أن نطلق على مقاصد "سر ولا سر" مقاصد نسوية بالمعنى نفسه الذي نستخدمه اليوم؛ إذ كان الغرض منها فحص الخطابات الاجتماعية والمجازات الأدبية المهيمنة حيال النساء ونقدها.

في كتابها "اقتصاد الشخصية: روايات المعنى الداخلي وثقافة سوقها وأعمالها"، تستكشف ديدري لينش الطريقة التي قُدِّمت بها الشخصية الروائية للقراء البريطانيين باعتبارها "موردًا خياليًّا … لتحويل القراء إلى أفراد، ولتوسيع موارد الحساسية الداخلية"؛ فقد أدت الشخصية الروائية إلى إنتاج "شكل جديد من الثقافة الذاتية … ونمط جديد من الوعي الطبقي". في المقابل، تُظهِر قراءتي للروايات الثلاث في تلك الحقبة أن السرد في مصر أدى إلى "تحويل الحدث نحو الخبرة الداخلية"، وذلك باللجوء إلى الاقتباس الذي تولاه مجموعة من الكُتَّاب ذوي التوجهات الاجتماعية الراديكالية؛ وذلك بقصد خلخلة مشروع النهضة الممنهج المتنامي. في "سر ولا سر"، تُخلخِل مويال مفهوم "الشخصيات المتكاملة" الذي تشكل في رواية نقولا حداد، وتتحدى التصوير المبدئي عن مفهوم "الحساسية" الذي صيغ في هذه الحقبة، والذي عُدَّ مضمونًا حقيقيًّا "صالحًا" يمكن استخراجه من وسط قمامة الثقافة الغربية. هذه الحساسية وتهذيب "المشاعر الداخلية" المختبئة عميقًا داخل الفرد (وهي واحدة من "أكثر الفنون تعقيدًا" التي يُختَص بها "الأجانب") هما ما رأى المويلحي أن المصريين يفتقدونهما إلى درجة كبيرة. ويمكن لهذه الحساسية أن تضفي نوعًا من القيمة الأخلاقية والإستطيقية على الإحساس، وترفعه من مستوى الطبيعة الوحشية إلى مساحة مهذبة تطلق عليها لينش "الذاتية المتوسعة" التي بدورها تشكل الجمال الفني. وفقًا لعيسى لدى المويلحي، الحساسية هي ما يحول الزهرة العادية إلى "كنز". إنها تضمن تسليع الطبيعة وتحويلها إلى "مرئيات صناعية"، أي صور الزهور ورسومها على سبيل المثال، والتي يُقدِّرها الأوروبيون المستنيرون "بالألوف من الدنانير والملايين من الدراهم". لدى المويلحي، كانت هذه الفائدة الحقيقة لـ"الحضارة الغربية"، أي الأيدولوجيا الجمالية الواضحة التي تخفي وراءها فتشية السلعة في التبادل السوقي الرأسمالي، تخفيها عن طريق "تحييدها وتعميمها"، إلى جانب " قمع الأفكار التي يمكن أن تتحداها … وإغفال الواقع الاجتماعي بالطريقة المناسبة لها". في الفكر النهضوي، الطريقة الوحيدة، التي يمكن بها إصلاح "ولع" المصريين بتقليد "الزخرف المموه والبهرج الكاذب والملاذ الشهوانية"، هي اللجوء إلى "لطف الإحساس والشعور" القادر على إضفاء القيمة على التبادل السلعي في العالم الحديث وتحويله إلى شيء ملموس. يوضح عيسى أن "إجمال القول في هذا الباب أن مثل المصري في أخذه بالمدنية الغربية كمثل المُنخُل يحفظ الغث التافه ويفرط في الثمين النافع". أما الفضيلة والطهارة، وهما النظيران الجندريان، فهما "الشيئان" أو "الممارستان" اللذان صار معناهما يعتمد على ضبط الخبرة على حساب اعتباطية الحوادث العابرة، وكان النوع الروائي هو الأرضية التي انطلقت منها تفسيرات هذه التقنيات الذاتية، ومنها، أيضًا، انطلقت أشكال تحدي تلك التقنيات.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية