حالة جويسانس أو فائض المتعة يمكن أن تظهر بنفس الدرجة عبر إثارة جنسية ممتعة أو عبر التوتر المؤلم الذي يدفع مراهقًا خارجًا من صدمة عاطفية إلى أن يجرح جسده، بوصفه الطريقة الوحيدة للتخلص من التوتر.
الهوية في زمن العزلة
باول فرهاخه
ترجمة عن الهولندية: شعلان شريف
مقتطف من كتاب «نهاية العلاج النفسي: تفكيك أوهام الطب النفسي وخرافة الأدوية» ينشر بإذن خاص من دار آفاق، ناشرة الطبعة العربية.
باول فرهاخه: أستاذ بلجيكي في علم النفس السريري والتحليل النفسي، وبروفيسور في جامعة جنت. اشتهر بكتاباته الثورية والمثيرة للجدل، التي يجمع فيها دراسات علم النفس والتحليل النفسي، بدراسات النوع الاجتماعي، والأيديولوجيات السياسية، والتأثيرات النفسية للاقتصاد، والنقد الثقافي والحضاري. حصل على الدكتوراه في علم النفس، وصار أستاذًا في مجاله، ورغم ذلك رفض الحصول على ترخيص كطبيب نفسي، مفضلًا التركيز على البحث العلمي والتدريس والإسهام النظري. من أعماله: "الحب في زمن الوحدة"، "عن الطبيعي وأمراض أخرى"، "دراسات جديدة عن الأشرار القدامى: إعادة نظر جذرية في عقدة أوديب". "نهاية العلاج النفسي: تفكيك أوهام الطب النفسي وخرافة الأدوية" هو الكتاب الأول لفرهاخه في العربية.

مرة في كل بضعة آلاف من السنين نشهد تغيرًا جوهريًّا في طريقة عيشنا. التحول من الجمع والالتقاط إلى المجتمع الزراعي كان هو التحول الأهم، تليه الثورة الصناعية. التحوُّل الرقمي الذي نشهده في العقود الأخيرة يشكِّل ذروة هذه الثورة التي كانت في بدايتها ثورة ماكينات وآلات. هذا التحول وما يصاحبه من تسارع متعاظم في كل شيء، له آثار غير محدودة في مجالات مثل نقل المعرفة والتعليم والصحة وآليات الإنتاج والعولمة. لقد أصبحنا متاحين للتواصل في كل وقتٍ وكل مكانٍ تقريبًا. يمكننا استحضار أي معلومة تقريبًا على شاشاتنا. التعليم الجيد أصبح متاحًا على نحو واسع، سواء للرجال أو للنساء. كما لم يسبق أن عاش البشر أعمارًا بهذا الطول وبهذه الصحة. من هذا المنظور المحايد والموضوعي يبدو الميزان إيجابيًّا عمومًا، لولا أنه لا ينطبق بالكامل إلا على ما يسمَّى للسهولة بـ«الغرب»، ولولا التهديد البيئي الذي يجعل هذه الرفاهية أقل استدامة.
منذ بدء الحقبة الصناعية كان هناك اهتمام بآثارها النفسية. التأملات حول تأثير المجتمع الحديث على الفرد في روايات ساندور ماراي تبدو الآن راهنة بحيث إن كثيرًا من القراء لا يدركون أنه كتبها قبل أكثر من نصف قرن. مؤخرًا صارت هذه الآثار تُترجم إلى صيغة مفارقة: أول جيل لم يَعِش أي مجاعة على الإطلاق ناهيك بالحرب، والذي يعيش مستوى غير مسبوق من الرفاهية، هو الجيل الأكثر عرضة للاكتئاب والأعلى بمعدلات الانتحار. إنها مفارقة مقلقة، في أخف تعبير، وتُظهِر أن الاحتياجات الحميمة للإنسان لا تُشبَع من خلال الوفرة الاستهلاكية. التعدد في التفسيرات لانتشار حالات الاكتئاب وحتى الانتحار يعني أنه لا يوجد تفسير واضح. إضافة إلى أطروحة سيجموند فرويد حول الاكتئاب، التي تربطه بالحزن والفقد من بين عوامل أخرى، فإنه يمكن البحث عن تفسير للظاهرة من خلال عامل الهوية، وبتعبير أدق في استلاب الهوية. حتى وقت ليس بالبعيد كانت الهوية شيئًا بديهيًّا، ولم تكن في مجال اختصاصنا مفهومًا مستقلًّا، ناهيك بأن تكون مشكلة. وإذا دُرست الهوية فإن التركيز يكون غالبًا على بنيتها، بالترابط عادة مع جوانب من علم نفس النمو. لم يعد الأمر كذلك، بل على العكس، فالهوية أصبحت مصدرًا للمتاعب، وهو ما يظهر على سبيل المثال في ما يُعرف باضطرابات الشخصية، المنتشرة حاليًّا. وقبل أن أتعمق في ذلك، عليَّ أولًا أن أوضِّح شيئًا يسبِّب سوء الفهم. الطريقة التي نفهم بها الهوية بصورة شبه تلقائية، هي ليست فقط خاطئة، بل تسهم في نشوء المشكلات المرتبطة بالهوية.
تشير الهوية حاليًّا إلى «أنا» أو «ذات» فريدة مفترضة، سواء «أنا إله في أعمق أفكاري» أو «أنا المنبوذ من الجميع»، وفي كلتا الحالتين معزولة عن الذوات الأخرى. شخصيًّا أشعر أن هذا التعريف يعبِّر عن زوال الهوية، نتيجة للعزلة التي تجعل كل ذات تنكفئ على ذاتها، بما يرافق ذلك من شعور مؤلم بفقدان الأمن والطمأنينة. يظهر هذا بوضوح في الطريقة التي يفكِّر بها المساعدون النفسيون حول الحالات التي يدرسونها: يدور الحديث دومًا عن «شيء ما» مرتبط بـ«شخص ما» فقط. الطفل مثلًا «لديه» اضطراب تعليمي، من دون إشارة إلى السياق الأوسع الذي نشأ فيه هذا الاضطراب التعليمي، وموقع هذا الاضطراب في العالم الخارجي كما يعيشه الطفل.
الانتقاد نفسه وجَّهته الباحثة والأستاذة الجامعية الهولندية ترودي ديلهيو فيما يخص الاكتئاب، وتحديدًا الفرضية القائلة ضمنًا بأن المشكلات القابلة للتشخيص والمعالجة (كالاكتئاب، ولكن أيضًا الشيزوفرينيا وفرط النشاط وغيرها) لا تكمن أسبابها في السياق العام، بل فقط في داخل الفرد الذي يعانيها. التعبير الأدبي عن ذلك نراه لدى الكاتب والمحلل النفسي البريطاني داريان ليدر، الذي يصف كيف أن مريضة بالاكتئاب تقارن نفسها بالحبوب التي تتناولها: كل حبة معزولة وحبيسة في الغلاف الرقيق من دون تماس بالحبوب الأخرى في شريط الدواء.
مرة أخرى سنلجأ إلى التأثيل اللغوي ليبين لنا التحولات التاريخية الكامنة خلف هذا الرأي الذي يجعلنا منكفئين على ذواتنا. بالعودة إلى الأصل اللاتيني لكلمة الهوية identitas نجدها تحيل إلى ذلك الشعور المريح بكونك جزءًا من جماعة تجمعك معها قواسم مشتركة معينة، فالكلمة في اللاتينية تعني التشابه. علاوة على ذلك، فإننا ننتمي إلى عدد متزايد من الجماعات، التي ترتبط بروابط معينة في ما بينها، لكنها في الوقت نفسه مستقلة بعضها عن بعض بناء على قاسم مشترك معين: النوع الاجتماعي (الجندر)، العائلة، المهنة، القرية، الدولة.. إلخ. كل واحدة من هذه الجماعات تُمنح تسمية خاصة على أساس القاسم المشترك. فالاسم العائلي يشير إلى مجموعة العائلة، وكثيرًا ما يشير الاسم نفسه إلى القرية أو المدينة أو البلاد التي ينحدر منها المرء. كل هذه التعريفات الرمزية تشكِّل معًا ما أطلق عليه المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان مصطلح «الآخر». ففي رأيه، لا يقتصر مفهوم «الآخر» على الشخص الآخر المحدد، بل يشمل مجموع التعريفات والهويات التي يجسدها ويحملها. هذا الأمر مهم لأنه يسمح بتخطي التقسيمات الصارمة بين الانحدار الأسري والطبقي والثقافي على سبيل المثال. ينتمي الوالدان إلى مجموعة معينة لها صفات محددة، وبالطبع سيحملان هذه الصفات وينقلانها إلى الأبناء، وفي المقابل فإن التغيرات في الجماعة سيكون لها تأثير حتمي على الوالدين.
من خلال هذه الجماعات المختلفة فإننا نحمل عدة هويات. وبناء على ذلك تحديدًا فإننا نعرف من نحن، وهو ما يمنحنا الشعور بالاستقرار والاستمرارية. تأتي الاستمرارية من وجود تاريخ ما، ابتداء من قصة العائلة إلى تاريخ الأمة، أو الشعب، أو المهنة. أنا شخص محدد لأنني أنتمي إلى مجموعة مميزة من الأشخاص المحددين، الذين تركوا آثارهم عبر الأزمنة، بما يشبه آثار الأقدام التي تدلُّني على الطريق. إضافة إلى ذلك فإن كل جماعة، وبالاستناد إلى تاريخها، تحمل مجموعة من القيم والمعايير التي يفترض بالفرد أن يستجيب لها إذا كان يريد الانتماء إلى تلك الهوية.
ينقلنا هذا إلى الوظيفة الأساسية الثانية للجماعة، إلى جانب الهوية: من خلال الآخر نكتسب ما يسمى في علم النفس بتنظيم الانفعالات (كيف أتعامل مع الخوف، مع الغضب، مع الحزن؟)، إلى جانب «منح المعنى» (ما المهم حقًّا؟). بالفعل، الانتماء إلى جماعة تربطها روابط معينة يعني تقاسم ثقافة مشتركة، بمعنى تشارك القيم والمعايير وفلسفة الحياة أو معناها. ومع افتراض أن الدين يمكن احتسابه ضمن العوامل المتنوعة المحددة للهوية والمنظمة للانفعالات، فلا بد أن ندرك أن العالم الخارجي لا يمنح المعنى من تلقاء ذاته، بل على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه. وكلمة «الإنسان» هنا لا تعني الفرد، فلا أحد قادر على القيام بهذه المهمة بمفرده. فلسفة الحياة التي يخترعها شخص بمفرده سيُنظر إليها فورًا باعتبارها حالة من الجنون أو المرض النفسي. نحن بحاجة دائمًا إلى «الآخر» لنعطي لحياتنا معنى ما.
وفقًا لسيجموند فرويد وجاك لاكان فإن الترابط بين تنظيم الانفعالات وإعطاء معنى للحياة يعود إلى سلطة رمزية (الأنا العليا؛ القانون، بوصفه معطى مجردًا). داخل الجماعة هناك غالبًا أشخاص معينون يحملون هذه الصفة (الوالدان، رجال الدين، القضاة، إلخ)؛ ما يمنحهم مكانة خاصة داخل الجماعة. لكن هذه الحقيقة تؤدي إلى حالة حتمية وضرورية أيضًا من الاستدلال الدائري: لا وجود للمعنى ولا للقانون إلا بوجود القائد، والقائد لا يحصل على مكانته إلا نتيجة للحاجة إلى المعنى والقانون. هذا المنطق الدائري ضروري لأن الجماعة لا تستطيع الاستمرار من دون قانون، والفرد لا يستطيع الحياة من دون معنى. وهو منطق حتمي لا يمكن تجنبه لأن كلا الأمرين، فلسفة الحياة ووضع القوانين، يتصفان بالاعتباطية إلى حد ما، وبالتالي لا بد لهما أن يستندا إلى عقد جماعي، ويكون بالنسبة إلى القائد بمثابة الضمان وحجر الزاوية.
تعود فكرة الأب التاريخي المؤسس أو الأم المؤسسة للأمة إلى العائلة الأبوية/ الأمومية، حيث يفترض بالأب الأكبر أو الأم الكبرى أن يكونا الأكثر التزامًا بالقانون. إلى جانب ذلك، فإن القانون المكتوب محاط غالبًا بكثير من القوانين غير المكتوبة، التي لا تقل أهمية عنه. قد تبدو تلك القوانين للوهلة الأولى شديدة التنوع، لكنها جميعًا تشترك في صفة واحدة: إنها تحدد العلاقة مع الجسد، سواء جسد الشخص نفسه أو جسد الآخر، ابتداء من آداب الطعام، إلى قواعد الملبس، إلى قوانين القرابة والعلاقات الجندرية. وهذا بالضبط كان موضوع الدراسات الإناسية (الأنثروبولوجية) التي أجراها ليفي شتراوس وسط قبائل الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية. من يُسمح له بمشاركة الطعام أو الشراب مع من؟ ما الملبس المناسب في هذه الحالة؟ نحن أيضًا لدينا قواعد من هذا القبيل، وإن كانت في طور التراجع تدريجيًّا. كما أننا لا ننتبه إلى وجودها، لأنها أفعال معتادة، أي إنها تمثل «عاداتنا» و«قيمنا».
يحتلُّ الجسد مكانة رئيسية في منظومة القيم. كل تحديد للمعايير يستهدف في النهاية ما أسماه لاكان «جويسانس أو فائض المتعة» (jouissance)*، أما الهوية فإنها تتمظهر على الجسد، من خلال مظاهر مثل الملابس والرموز التي تحدد المنزلة الاجتماعية. وهذه الأخيرة أقل أهمية مما تشير إليه: الهوية المحددة رمزيًّا، التي تحدد من نكون وما هي علاقتنا تجاه الآخرين، ومن يكون الآخرون وأين يقفون بالنسبة إلينا. من دون هذه القصص والإشارات فلن نعرف عنها شيئًا. هذه هي الخلاصة التي توصلنا إليها نظرية لاكان حول «مرحلة المرآة»، وواضح من التسمية أن الهوية شيء لا يمكن رؤيته إلا من خلال مرآة الآخر.
والأمر لا يقتصر على صور المرآة، فالآخر يضع أمامنا قصصًا، وهو ما يعبَّر عنه الآن بمفهوم السردية؛ أي إن الإنسان يحمل هوية سردية، مبنية على القصص والرموز.
هذه المرآة الجماعية لها أثر تلاحظه العين عند كثير من الجماعات، وهنا لا أتحدث عن الزي الموحد للعسكر أو لراكبي الدراجات. كمثال للتوضيح: حين دخلت مرة بالخطأ إلى قاعة محاضرات غير التي أقصدها، أدركت فورًا أن الذين أمامي ليسوا هم المئتين أو الثلاثمئة من طلبة علم النفس، «أشكالهم» بدت لي مغايرة؛ في ما بعد عرفت أني دخلت بالخطأ إلى قاعة محاضرات طلبة التربية البدنية. وحتى داخل الجماعة المتجانسة، مثل طلبة علم النفس، تجد فروقات واضحة: الذين يختارون علم نفس الأعمال يختلف مظهرهم عن الذين يختارون علم النفس السريري. بتعبير مبتذل: الملابس تصنع الشخص. هذه الفروقات الملحوظة مظهريًّا تشير إلى فروقات داخلية ليست ظاهرة.
جويسانس والتقنين
ينتمي تشكُّل الهوية وتنظيم الغريزة إلى سيرورة واحدة، ويرتبطان كلاهما بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد. الطريقة التي تعرِّف بها أي جماعة هويتها، تعتمد على صورة مثالية، على أوامر ونواهٍ، تُضخَّم بصورة قد تبدو كاريكاتيرية. على سبيل المثال، لا يجوز للشخص المثقف أن يتابع المسلسلات التلفزيونية الطويلة (سوب أوبرا)، لكن يمكنه أن يشاهد الأفلام الوثائقية، ولا يتابع كرة القدم لكن الرياضات الأولمبية، وليس عنصريًّا لكن لديه أحكامًا بخصوص فئات معينة من البشر.. إلخ. انتبه فرويد مبكرًا إلى هذه العلاقة بين الصورة المثالية والأوامر والنواهي، لذلك فقد ميَّز في نظريته حول تشكُّل الهوية بين «الأنا المثالية» (هكذا يجب أن تكون) وبين «الأنا العليا» (هذا محظور عليك)، وفي المسافة المتوترة بينهما تتشكل «الأنا»، حسب رأيه فإن تشكل الأنا يبدأ في الجماعة الأصغر؛ الأسرة، لاحقًا وسَّع فرويد هذه الفكرة لينضوي تحتها علم نفس الجماعات.
يمكن أن تكون هذه المعايير محددة بدقة لكي تحدد بدورها بدقة مواصفات جماعة ما، ويمكن أيضًا أن تكون عمومية إلى حد ما. الضوابط الخاصة بنادٍ لكرة القدم تختلف عن ضوابط فرقة غنائية، وكلاهما يختلفان بشدة عن الضوابط المعتمدة في المدرسة. لكنها جميعًا تنضوي تحت التعريف الاجتماعي-الثقافي للطريقة التي ينبغي أن يتصرف بها العضو في نادٍ معين. نستطيع أن نعثر على عدد من العناصر المشتركة بين مختلف الأنظمة الخاصة بالجماعات. جميعها تقريبًا تحدِّد كيف على العضو أن يتصرف تجاه الأعضاء الآخرين وتجاه غير الأعضاء، وكل ذلك خدمة لهدف مشترك (كرة القدم هي عمل جماعي للفريق، والفريق الآخر هو عدو تجب هزيمته). من البديهي أن على كل عضو أن يسهم في تحقيق هذا الهدف، وأن يبذل بعض التضحيات لهذا الغرض (ثلاث جولات تدريبية في الأسبوع وعدم شرب الجعة). مقابل ذلك يحصل الفرد على مكان في الجماعة (أهلًا بك يا جون!)، ويحصل بالتالي على نوعٍ من الحماية.
عندما ننظر إلى ما أسميه الجماعات الأساسية (الأولاد، البنات، الرجال، النساء، العائلة)، وفي إطار مكاني وزماني محدد، فسوف يتضح لنا مجددًا أن هذه القواعد تتعلق بالدرجة الأولى بالجسد، سواء الجسد الشخصي أو جسد الآخر. تشمل القواعد والمعايير بالدرجة الأساس الصحة والطعام والشراب والجنس، بتعبير آخر: المتعة.
هناك تفسير ساذج لتقنين المتعة يجعله بمثابة قيود غير ضرورية على الاحتياجات «الطبيعية». أما الرؤية التي تضع اعتبارًا لما تعلمناه من علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) فتدرك أن هذا التقنين موجود في جميع الثقافات، مهما كانت الاختلافات في ما بينها، بل إن هذا التقنين يشكِّل اللحمة في النسيج الاجتماعي. هذه القوانين هي التي تضع معايير للهوية في عدة مجالات حيوية وبالتالي تمنح الإحساس بالأمان. أما حقيقة أن أنظمة التقنين لدى بعض الجماعات ليست سوى عبء على أفراد الجماعة لا غير، فهي ليست حجة كافية لرفض التقنين نفسه. لا يمكن العيش في جماعة من دون مواثيق محددة، وإلا فسينقلب الأمر إلى فوضى.
نظرتنا إلى القوانين الاجتماعية محكومة بالازدواجية. كل ما يجلب المتعة ممنوع أو لا أخلاقي أو غير صحي، وأحيانًا الثلاثة معًا. هذه الازدواجية متضمنة في المفهوم اللاكاني المعقد جويسانس أو فائض المتعة. في التحليل النفسي المستمد من أفكار لاكان توصف هذه الحالة بأنها تناقض شعوري تجاه فعل جسدي معين. حالة جويسانس أو فائض المتعة يمكن أن تظهر بنفس الدرجة عبر إثارة جنسية ممتعة أو عبر التوتر المؤلم الذي يدفع مراهقًا خارجًا من صدمة عاطفية إلى أن يجرح جسده، بوصفه الطريقة الوحيدة للتخلص من التوتر. هاتان الحالتان النقيضتان تنطلقان كلتاهما من إحساس جسدي يصعب التعبير عنه بالكلمات وبالتالي تصعب السيطرة عليه، لذلك تضع جميع المجتمعات قيودًا وضوابط للتحكم به.
لقد حدث انقلاب لافت للنظر على هذا الصعيد. في أحد مقالاته الصحفية لاحظ الأستاذ في جامعة لوفن البلجيكية، ريك تورفس، أن الفتاة البلجيكية المثالية في زمننا هذا تبذل قصارى جهدها لكي يكون مظهرها آثمًا قدر ما تستطيع. بشيء من المبالغة يمكن أن نقول إن كل ما كان ينضوي تحت لائحة المحظورات قبل بضعة أجيال أصبح الآن تحت لائحة الواجبات! في حدود ما كانت هذه الأشكال من المتعة متاحة في الماضي كان الوصول إليها يحتاج إلى كثير من الوقت والجهد. أما الآن فإن القناعة السائدة هي أن الوصول إليها يمكن (بل يجب!) أن يحدث فورًا، ويكفي أن تدفع مالًا لتحصل على ما تريد. أهم العوائق المتبقية هي العوائق المالية، إلى جانب النصائح الطبية. لكن هذه «الفورية» (ضغطة واحدة على فأرة الكمبيوتر) مخيبة للآمال في الواقع، دائمًا هناك شيء ما لا يزال بعيد المنال. الاستمرار في التجربة يؤدي بالضرورة إلى أشكال جديدة لتجاوز مزيد من الحدود.
ومع ذلك لن تتحقق النتيجة التي يأملها البعض ويخشاها البعض الآخر. لن نتيه في حالة من المتعة بلا حدود، كما يوهمنا بعض الدعاة، بل نجد أنفسنا موغلين في متاهة من السأم والإحباط المشحون بالعدوانية مع إحساسٍ متزايد بالخوف وفقدان الأمان. وما يثير الاستغراب هنا هو أن القسم الأكبر منا يعيش في أكثر مناطق العالم أمانًا. يبدو أن الأمن الحقيقي ليس مقياسًا كافيًا للشعور الذاتي بالأمان. ردُّ الفعل المتوقع في هذه الحالة هو أن الفرد ما بعد الحداثي يلجأ إلى «الآخر»، كما يلجأ طفل صغير يشكو من ألم في جسده إلى حضن ما. لكن «الآخر» فقد سلطته لأنه لم يعد يحصل على الدعم من الجماعة؛ ما يجعل تجاوبه بلا قيمة في الواقع.
بتعبير أوسع: الانتماء إلى جماعة راسخة أمر بالغ الأهمية. تقويض هذا الانتماء يجعل الشعور بالهوية وتقنين الغرائز وامتلاك المعنى كلها تنحدر في مزالق خطيرة، وهو ما نشهده اليوم تمامًا، ابتداء من مشكلات الهوية التي يطلق عليها «اضطرابات الشخصية»، إلى فقدان الهوية المرافق للاكتئاب، وفي كلتا الحالتين يصاحب ذلك إحساس بالخوف واللا جدوى. كل ذلك يحتِّم على الجسد أن يبرز بوصفه ملاذًا وحيدًا، بسبب فقدان الغطاء الذي يمثله وجود الآخر. في أحسن الأحوال سيبرز الجسد بوصفه أساسًا لهوية في طور البناء، حين يكون صاحب الجسد في حالة بحث محمومة عن أحجار رمزية لبناء الهوية. في أسوأ الأحوال سيمثل الجسد القطعة الأخيرة التي يجب التخلص منها للخلاص من ذات لم تتحقق أصلًا. الخطوة الأخيرة في هذه الحالة هي الانتحار، حيث الشخص الذي لم يتحقق وجوده أصلًا سيختفي تمامًا من المشهد.
الرأسمالية الجديدة
أن تكون جزءًا من جماعة متماسكة تنتج عنه بالبداهة مجموعة من المشاعر: الولاء والثقة والإيمان بالسلطة والتضامن. الجماعة التقليدية هي بالطبع العائلة، أو بالمصطلح العلمي «جماعات القرابة». حتى وقت قريب كان للجماعات المهنية دور كبير أيضًا. لكن الثورة الصناعية جعلت معيشتنا مرتبطة بالاقتصاد وتقلباته، وهو ما أحدث أثرًا كبيرًا على مسألة الشعور بالهوية. التغيرات الجوهرية على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي تنعكس في صورة تغيرات جوهرية على الصعيد الفردي، وقد حدثت بالفعل كثير من التغيرات.
الوصف العام لما أصبح يسمى «الرأسمالية الجديدة» نجده لدى ريتشارد سانيت. المزيج من الرقمنة والإنترنت والليبرالية الجديدة، مع انهيار شامل للبورصة، سواء للشركات أو للفرد العادي الذي يريد حصته من الكيكة، كل ذلك أنتج ثقافة عمل جديدة تمامًا. ونظرًا للقوة النافذة للقطاع الخاص فقد انتقلت هذه الثقافة إلى المؤسسات الحكومية، خصوصًا في مجالات الإدارة والرعاية الصحية والتعليم. لنقرأ كمثال توضيحي:
من المهم أيضًا أن يكون هناك تحليل لمدى واقعية الأهداف التي يفترض أن يحققها نظام دي بي سي (نظام لحساب تكاليف التشخيص والعلاج). تخيل اشتغال قوى السوق بطريقة سليمة بحيث تقدَّم الرعاية الصحية حسب الطلب، وتموَّل المنتجات، مع نظام فواتير واضح وفعال. كل هذا يصبح متاحًا بفضل التنافس بين مقدمي الرعاية، والتفاوض بين مقدمي الرعاية وشركات التأمين، وباعتماد الوضوح في المنتج وفي لغة الإنتاج. يفترض البعض بشيء من الاستسهال إمكانية تحقيق هذه الأهداف من خلال نظام الإنتاج الذي طُوِّر حديثًا.
كلا! هذا ليس اقتباسًا من مجلة تعنى بالبورصة أو بالاقتصاد. إنه اقتباس من «مجلة العلاج النفسي»، ويمكن للمرء بلا شك أن يعثر على نص مشابه، خالٍ من المضمون هو الآخر، حول التعليم مثلًا، في عدد حديث من مجلة تربوية. انعدام المضمون لا يعني انعدام الخطورة، بل على العكس. حين ينتقل المجتمع إلى جعل قطاع الرعاية (الطبية، النفسية، التربوية، الاجتماعية) قطاعًا تجاريًّا، فإن ذلك سيكون حتمًا على حساب الأشخاص الذين يتلقون هذه الرعاية. وحين تُقيَّم جودة الرعاية المقدمة للمسنين من خلال وقت الاستحمام محسوبًا بالدقائق لكل «زبون»، فإن من الأفضل أن تقضي شيخوختك في مكان آخر.
سبق للاكان منذ أعوام السبعينيات أن تحدث في هذا الإطار عن الخطاب الرأسمالي بوصفه نسخة جديدة من الخطاب السائد. النتائج الناجمة عن ذلك هائلة التأثير على البنية الاجتماعية والحياة الأسرية وبالتالي على الفرد. أما في اختصاصنا فإن ما يهمنا هو التأثيرات على صعيد الهوية والعلاقات الإنسانية المتبادلة. حينما ندرس الهوية والعلاقات الإنسانية، سيظهر أمام أعيننا بوضوح ذلك التداخل الوشيج بين الاقتصاد والسياسة والفرد. سأوضح هذا الأمر من عدة جوانب: الشعور بالزمن، أهمية المعرفة والخبرة، الترابط بين الولاء والتضامن، وأخيرًا موقع السلطة.
أفراد مجهولون
تركِّز «الإدارة الحديثة» اليوم على تحقيق أرباح قصيرة المدى، تمامًا كما يفكر السياسيون اليوم فقط في فترات ولاية واحدة. وتؤثر التقلبات السريعة في البورصة في الاقتصاد كما تؤثر استطلاعات الرأي في السياسة: تغيرات سريعة وجذرية بحسب «السوق». قريبًا، ستصبح الاستمرارية والاستقرار كلمتين قذرتين، تشيران إلى ما لا ينبغي أن يكون. على المستوى الفردي، سيخلق هذا بالدرجة الأساس شعورًا بالإرهاق وعدم اليقين. يجب على الجميع أن يستمروا في «النمو»، ويجب أن تؤدي كل «مقابلة تقييم» إلى تحقيق نتائج أعلى، يُطلق عليها «الأهداف»، ويجب على المرء ألَّا يبقى عالقًا عند المستوى السابق. فرط النشاط adhd أصبح هو الحالة العادية، و«المرونة» لا بد منها باستمرار، والنتيجة هي الإصابة بالإنهاك burn-out. شعار «العالم قريتي» يصبح «العالم محطة قطار»، حيث الجميع حائرون في معرفة الوجهات الصحيحة وفقًا لأحدث تغيير في جدول القطارات، الذي سيُعدَّل أيضًا عدة مرات في الأسابيع التالية (لخدمتكم على نحو أفضل!). الذين يعتقدون أنني قد أبالغ، أود أن أذكِّرهم بالإعلان الذي كان بإمكانهم قراءته قبل بضع سنوات في محطات القطار الصغرى في إقليم فلاندرز: «لخدمتكم على نحو أفضل أُغلِقت هذه النافذة».
هذا ما يفسِّر لماذا لم يعد الاقتصاد يعلِّق أهمية كبيرة على الخبرة والمعرفة، فهما تؤديان إلى مزيد من الركود و«مقاومة التغيير». بدلًا من ذلك يتوجَّه الاهتمام إلى ما يسمَّى المهارات، والتجديد، والمظهر الخارجي (الجاذبية). الموظفون الأقدم يُنظر إليهم بتعبير صريح باعتبارهم عبئًا: معارفهم تعتبر عائقًا أمام التجديد، ورواتبهم عالية، ولديهم رأي في كل شيء، ولا يمتلكون شيئًا من «المرونة». لذلك فإن عبارة «دعهم يذهبوا» أصبحت سياسة سائدة. وهناك ما يقابل هذه الحالة في السياسة أيضًا: توجيه الشكر لأعضاء الحزب المخضرمين وتوديعهم، لكي تمتلئ القوائم الانتخابية بالوجوه الجديدة من شخصيات تلفزيونية ومغنيات ولاعبي كرة قدم. في النهاية يصل هذا الجنون إلى الكيان الأصغر؛ الفرد. على الجميع أن يبدو فتيًّا إلى الأبد، وكثيرون يشترون سلعًا جديدة، فقط لأنها جديدة، ليس لأنهم بحاجة إليها. الأشياء القديمة يتم التخلص منها لأنها قديمة فقط وليس لأنها لم تعد صالحة للاستعمال.
هذا المزيج من التطلع إلى الأرباح قصيرة المدى، وتراجع الاهتمام بالمعرفة والخبرة، يقضي على ما يوحِّد الجماعات: الولاء والتضامن. على ضوء ما يحدث اليوم، فإن الأجيال السابقة، لنقلْ أجيال ما بعد الحرب العالمية الأولى، عرفت درجة كبيرة من الولاء المتبادل بين رأس الهرم وقاعدته. كان العامل واثقًا بأنه سيحتفظ بوظيفته طوال حياته لدى رب العمل نفسه؛ ما يجعله مستعدًّا لبذل قصارى جهده من أجل «شركته» و«رب عمله»، فهو يشعر بالانتماء إليهما. رب العمل بدوره كان يبذل جهده من أجل «ناسه»، ولديه مصلحة كبيرة في الحفاظ عليهم. هذا الأمر يختفي الآن بسرعة، إلى جانب اختفاء الشركة ورب العمل باعتبارهما علامتين معرِّفتين ومستقرتين. الشركة متعددة الجنسية كيان غير مرئي، ولا تربطها علاقة مع العاملين فيها، ويمكنها في أي لحظة أن تنقل الوظائف أو تقلل منها أو تزيدها وفقًا لما يتطلبه التداول في البورصة. في المقابل لا يشعر العاملون بأي ولاء تجاه هذه الشركة، أما العلاقة بين الإدارة في الأعلى والعاملين في أسفل السلم فهي قائمة على الشك المطلق.
يمكن ببساطة أن نرى ترجمة ذلك على الصعيد السياسي: الإخلاص لحزب معين يتناقص باستمرار، فيما يتزايد عدد الناخبين المتذبذبين مع كل جولة انتخابات. يجب إقناع الناس بحجج ووعود على المدى القصير، أما الارتباط طويل الأمد فقد أصبح استثناء. وهذا ما يؤدي بدوره إلى التركيز على المحاججات السطحية بدلًا من البرامج الحزبية المفكَّر بها جيدًا. من أعراض فقدان الولاء أن أعضاء الحزب يتكلمون في الجلسات الحزبية المغلقة بتهكُّم وتشكيك حول ناخبيهم، وفي المقابل نجد التهكم والتشكيك العلنيين من قِبل الناخبين تجاه السياسيين. وحين يكون الشعار الانتخابي الأنجح في آخر انتخابات (في بلجيكا) هو «الاحترام»، فسنعرف في أي زمن نعيش، فالشعار المثالي يشير بالتأكيد إلى ما نفتقده. العام الذي تلا تلك الانتخابات أثبت ذلك بكل وضوح.
حين يختفي الولاء «العمودي» بين أعلى الهرم وقاعدته سيختفي أيضًا التضامن «الأفقي». حين يكون الهدف هو تحقيق الربح السريع، أو مزيد من الأرباح فحسب، يجب إزاحة كل ما يعوق ذلك. كل عامل يجد نفسه باستمرار بمواجهة احتمال الاستغناء عنه. دائمًا يمكن أن يكون هناك من هو أفضل، أو أسرع، أو أرخص. هذا يؤدي مباشرة إلى أن يتحول الزملاء إلى متنافسين، ويصبح التضامن حلمًا بعيد المنال. سياسة «فرِّقْ تسُدْ» تجعل ردود الأفعال الجماعية مستحيلة؛ ما يمنح النظام صورة صمدية غير قابلة للاختراق. ولكن! المجتمع الذي لا يعطي الامتيازات إلا للفائزين، سيواجه بالضرورة مجاميع متزايدة من الخاسرين. إن بناء كهذا سيكون غير مستقر في أحسن الأحوال، ويشكِّل مصدرًا لردود الأفعال السلبية. الخسارة تعني الإهانة، والإهانة تثير مشاعر الانتقام، التي يمكن أن تأخذ أشكالًا مختلفة، وسيكون من قصر النظر أن نصف ردود الأفعال هذه بأنها «اضطرابات سلوكية».
في السياسة أيضًا أصبحت مسألة الصياغة الجماعية للبرنامج الحزبي شيئًا من الماضي، وأصبحت العداوات الداخلية هي الأهم. الخطوة التالية هي اختفاء الولاء والتضامن داخل الأسرة الواحدة. حتى العلاقة الزوجية في زمننا لم تعد عاطفية. يتبادل الشريكان الشكوك منذ البداية، ويحاول كل منهما حماية نفسه من احتمال الغدر، عبر عقود زواج مليئة بالتفاصيل، كما يحتفظ كل منهما بحساب ادخار منفصل. وعند حدوث خلاف فلا مجال للتفاهم والتفاوض، بل الخيار الأول هو أن تجمع حقيبتك وتغادر. المرونة أفضل، والشريك الجديد جاهز بالتأكيد.
من وجهة نظر متشائمة يبدو الوضع كالتالي: الاستمرارية شيء سيئ في كل الأحوال (أما زلت تعمل في الشركة الفلانية؟ أما زلت تعيش مع فلانة؟)؛ ما يجعل بناء مستقبل مشترك أمرًا مستحيلًا. سوء الظن هو القاعدة (لن أدعهم يستغلوني! لن يتمكنوا مني!)، أما التضامن فلا يعدو كونه أحد وجوه الإنفاق المعفاة من الضرائب (ليس من واجبي أن أعتني بك، أليس كذلك؟). والمشهد كله في النهاية مؤطر بإطار الإرهاق وقلة الوقت (مشغول، مشغول، مشغول). النتيجة الأهم لكل ذلك هي أن الهوية التي تمنح اليقين والأمان قد اختفت. بدلًا من ذلك أصبحنا نصطدم باستمرار بتساؤلات تعزز من الإحساس بانعدام اليقين. من أنا، إزاء من، ما آفاقي المستقبلية، على من يمكنني أن أعوِّل؟
في حياة الأعمال الليبرالية الجديدة هناك صفة قد لا تلفت الانتباه لكن آثارها عميقة. مركز النفوذ السابق، «الرئيس» أو «رب العمل»، لم يختفِ من الشركة فحسب، بل إنه أصبح مجهولًا. تشتغل الرأسمالية الجديدة في البورصة، من خلال اجتماعات لمالكي الأسهم مجهولي الأسماء. تُخلي السلطة الأخلاقية مكانها للسلطة المطلقة. لا يفعل المدير -الذي يُعيَّن دائمًا مديرًا مؤقتًا- سوى تنفيذ ما يقرره مالكو الأسهم وما تقرره البورصة، ولا تستطيع حتى الحكومة الوطنية أن تقف بوجه هذه القرارات، حتى لو كان القرار إغلاق شركة مربحة. في قرننا هذا يمكن إلى حد بعيد مقارنة الحكومات بشخصية مستر فالدمار بطل إحدى قصص إدغار ألان بو: هو ميت، لكنه لم يدرك ذلك بعد. السلطة اللا مسماة خطيرة، كونها بلا اسم هو ما يجعلها خطيرة. من يريد أن يحتجَّ لن يعرف إلى أين يتوجه، ومن يتصل هاتفيًّا للاحتجاج سيسمع: إذا كانت لديك مشكلة تتعلق بالتوصيل فاضغط رقم واحد، للمشكلات المتعلقة بالفواتير اضغط اثنين، إلخ). الشيء نفسه نراه في الأسر، حيث موقع القيادة شاغر تقريبًا منذ عقود. في الحالات الأسوأ لا يعرف الأبناء كيف يعرِّفون أنفسهم، بتعبير أوضح، لا يعرفون لأي اسم عائلي ينتسبون. إنهم نماذج لما أسميه «المجهولية» الجديدة والمتزايدة. ليس مصادفة أن يتحدث أي معالج نفسي سريري باستمرار عن ضرورة وجود «الروابط الآمنة». يرجع ذلك إلى حقيقة أن الأطفال الذين يتمتعون بعلاقة مستقرة ومستدامة مع الوالدين، يكونون في مستقبلهم أشخاصًا أقوى، وأكثر ثقة بالنفس، وأقل خوفًا، لقد تمتَّعوا بـ«الرابطة الآمنة».
من الواضح جدًّا أن نسبة الأشخاص المفتقدين للرابطة الآمنة في ازدياد مطَّرد؛ ما يعني تزايد عدد الأشخاص المفتقدين للعلاقات الاجتماعية المستقرة: أفراد مجهولون في زمن العزلة. الشيء الوحيد المضمون لديهم هو الجسد، لذلك سيكون مفهومًا جدًّا أن يحاولوا باستمرار إبراز أجسادهم وعرضها، بطريقة أو بأخرى، بوصفها منطلقًا لهوية قيد التشكُّل.
هامش المترجم:
* «جويسانس» (Jouissance) أو «فائض المتعة» هو مفهوم صعب في نظرية لاكان. إنه ما نحسُّ به في المنطقة الحدودية الفاصلة ما بين التوتر المتحكم به، وما يتجاوزه، مع ما يقترن به من خوف من أن نفقد «ذواتنا»، أي إحساسنا بالهوية. وفقًا للاكان لا يمكن التعبير عن هذه التجربة بالكلمات؛ ما يزيد من صعوبة تحديد المفهوم. في إطار علم نفس النمو ونظرية التعلق المعاصرين، فإن ما يسمى بـ«الانعكاسات» بين البالغين والأطفال الصغار تمثل العملية المركزية في تشكيل الهوية، وفي تعلُّم كيفية التعامل مع التوترات والانفعالات، وكان لاكان قد وصف هذه العملية عام 1949 وأسماها «مرحلة المرآة» (Le stade du miroir).

رد واحد على “باول فرهاخه: الهوية في زمن العزلة”
جميلة أوي الترجمة