بوتشي إيميشيتا: رأس فوق الماء (نص ذاتي)

2025-11-18 - Asser El-Harairy

بينما أقترب من المصلى، بت أسمع صوتي أنا، ضئيلًا، مضطربًا، وقد شرع يُظهِر بعض الشكوك. ماذا ستقولين للرب، ها؟ بماذا ستخبرينه يا فلورنس عندما تدخلين وتطلبين مغفرته؟ أستقولين له: "أرجوك أيها الرب لا تجعلني كاتبة؟!"

رأس فوق الماء

نص ذاتي لبوتش إيميشيتا

نُشر في جرانتا، مارس 1983

ترجمة: آسر حريري

بوتشي إيميشيتا ولدت في مدينة لاجوس بنيجيريا عام 1944 وانتقلت إلى لندن رفقة زوجها بعمر الثامنة عشر. بدأت الكتابة بعد انفصالها عن زوجها وهي في الثانية والعشرين وكانت أمًا لخمسة أطفال. درست علم الاجتماع بجامعة لندن. كتبت العديد من الروايات بالإضافة لمسرحيات التلفاز والراديو. توفيت في يناير عام 2017.


بوتشي إيميشيتا، عن Granta

غادرتُ المهجع متأخرة مرة أخرى، لذا كان التجمع قد بدأ بالفعل حين وصلت إلى المدرسة الثانوية الميثودية. كن يغنين. غمرت أصداء الأصوات قاعة الحفل، وترددت على الحوائط الرمادية بين واجهة المدرسة والباحة المقابلة. أصواتٌ فَتيّة في كل مكان، مصحوبة باللحن العسكري الحازم، ذلك اللحن الذي يحول البنات ذوات الزي الكاكي الموحد في الداخل إلى حاجّات للمسيح.

كان هذا غريبًا بعض الشيء، وباعثًا للحنين أيضًا، أن أقف في الخارج، متأخرة، أستمع إلى ترنيمة كنسية أرثوذوكسية. كانت الفتيات يغنين اللحن بتناغم بفضل ميس دافيس، معلمة الموسيقى الويلزية، لكن، يمكن أن تقول إن أصواتهن كانت أفريقية. يمكن أن تسمع في هذه الأصوات شيئًا من أجدادهن. الأجداد الذين استعملوا أصواتهم يومًا في خلق موسيقى القرى- يغنون الحكايات والملاحم الشعبية- أو ربما في نداءات الغابة مصحوبة بإيقاعات الطبول الناطقة ذات الشكل المخروطي. هؤلاء الفتيات، الفتيات العصريات لأفريقيا القرن العشرين، ما زلن يحملن أصوات أجدادهن. كانت أصواتهن مليئة بالقوة والهمة، كما كانت غنية بالأمل والفخر. الأمل والفخر لإيمانهن بأنهن سيكن النساء الجديدات لأفريقيا الجديدة. قيل لهن إنهن مميزات، وإنهن ذات يوم سيختلطن بمثيلات ميس دافيس من ويلز، وميس أوسبورن من أسكوتلندا، وميس هامبل من أوكسفورد، ومس ووكر من أستراليا، إضافة للعديد والعديد من المبشرات البيض الأخريات اللائي غادرن بلادهن ليأتين إلى لاجوس ليُعلّمن الفتيات هنا أن يقدرن أهميتهن الخاصة. كان هناك بضع معلمات سوداوات- إحداهن في قسم التطريز والأخرى في قسم التدبير المنزلي- ولكن يمكن أن تقول إنه لم يكن يُعتد بهن.

أما أنا، فلم أكن حقًا ضمن هؤلاء النساء الجديدات. من ناحية كان هذا عائدًا إلى خجلي وحساسيتي. خجولة وحساسة للغاية على أن أتمكن من نسيان نفسي ضمن حشد من الناس. ورغم أني كنت أتوق للصحبة، فقد كنت أتصرف دومًا كحمقاء عندما أكون بينهن. ولذا كنت أتسكع أو أمشي وحدي أو أقرأ أو أحاول حفظ ما أقرأه. من ناحية أخرى فقد كنت مختلفة. فرغم أن بإمكاني أن أتلو جهرًا مقاطع من أعمال شيكسبير أو كيتس أو روبرت بروك فقد كنت ابنة لأبوين من ذوي التعليم البسيط، هما نتاج ثقافتهما البريئة (وإن بدت شاذة) التي عايشوها في الأدغال. لقد كانا بريئين فيما يُدعى العالم المتحضر. قد يكونا فظين بعض الشيء. ولكن في عالمهما- بالنسبة لرعاية الآخرين ودعمهم، وتعبيرات اللغة، وصنع الموسيقى- لم يكن من يضاهي رقيهما. ولكن كان عليهما أن يتركا كل ذلك بحثًا عن هذا الشيء الجديد. لقد غادرا بيوت قريتهما التي كانت بيوتًا لأسلافهما طوال عقود طويلة وأتيا إلى المدينة. أنجباني هناك وقالا إنني ذكية. قالا ذلك لأني فزت بشيء يسمى منحة دراسية أو "سكولارشيب" والتي كانت أمي تنطقها "سيكوشيب". تربيت على الطريقة الجديدة. ولهذا فبدلًا من أن أكون في القرية، أكسو أرضية بيوت أسلافي بالطين، أقف الآن في باحة هذا المجمع المدرسي مثقلة بمشاعر بالذنب لأنني قرأت حتى وقت متأخر من الصباح، بينما تنساب إلى مسامعي أصوات صديقات المدرسة وقد تجمعن وشرعن في الغناء.

كثيرًا ما منحتُ حياة القرية قدرًا معتبرًا من تفكيري. حرص قومي ألا أفقد اتصالي بها. كان عليّ أن أخضع لجميع الطقوس: علامات القبيلة على وجهي، والختان في سن الثامنة حتى يكون لدي ضبط جنسي ذاتي حين أصير امرأة شابة وبذا أسير على الطريق المستقيم. ورغم هذا، وحتى في ذلك الوقت، كنت أعرف، مثل أبويَّ، أنني محاصرة بالفعل في هذا الشيء الجديد. ولكن بالطبع، بالنسبة لجميع صديقاتي، وحتى بالنسبة لي، لم يعد بعد شيئًا جديدًا. كان قد تحول لأسلوب حياة.

ومهما بلغ إعجابي بحياة القرية أو تأملي فيها، فقد كنت أعرف أنه لكي أنجو، كان عليّ أن أنجح في استغلال فرصة التعليم التي منحت لي. كنت في مدرسة تدفع فيها كل الفتيات، بينما أرتادها أنا بالمجان. ولأنني لم أكن أدفع شيئًا نظير تعليمي انتهى الأمر بأن قضيت وقتًا أطول بمفردي، دون صديقات. لم تكن المنحة بالطبع بدافع الإحسان لكن هذا لم يشكل فرقًا. فقد كنت مدركة أيضا أن والديَّ ما كانا ليتمكنا من دفع تلك النفقات الباهظة لو طُلب منهما ذلك. كيف يفعلان؟ مات أبي منذ زمن. وأمي التي على الرغم من كونها مسيحية فقد كان عليها أن تعود مرة أخرى لحياة أهلها في قريتنا إيبوزا. عادت كي تتمكن من البقاء على قيد الحياة. وهكذا وجدتني، في مفارقة ساخرة، أشعر بالذنب لكوني في منحة، بينما أشعر بالامتنان لذات الأمر.

تأخرت هذا الصباح، وكنت أعلم أني في ورطة. فأنا فتاة مسيحية بعمر الرابعة عشر تتصرف كفتاة "أدغالٍ" غير مسؤولة. ولكن بداخلي، كنت أعرف أن الأمر أكثر تعقيدًا. كنت أعرف أني كلتاهما، فتاة "الأدغال" والمسيحية المتحضرة. وكنت قادرة على لعب الدورين ببراعة. ذاك الصباح، بدا جليًا أن الفتاة المسيحية الهادئة المتواضعة هي من أحتاج إليها.

جريت للداخل، ووقفت عند الباب، خفضت عينيّ، بينما أضم إلى صدري المسطح نسختي الضخمة من كتاب الترانيم الميثودي ذي اللون الأزرق الداكن. مشيت بعدها مباشرة نحو معلمتي السابقة، ميسيز أوكويمي.

كانت ميسيز أوكويمي تجلس ذاك الصباح على الطرف الخارجي لصفنا. أفسحت لي الطريق، ولكن ليس في الحال، لتجعلني أنتظر بالقدر الكافي حتى يراني معلمو المواد الأخرى. تلك الفتاة الغبية سليلة شعب الإيجبو ذات الخطين العموديين على وجهها قد اقترفت خطأ مجددًا. حدّقتُ إلى الأرضية الأسمنتية. عازمة ألا ألقي نظرة على وجه أي شخص. تصنعت بقية الفتيات الارتباك من تأخري. ثم تعثرتُ في بيسي وارتطم كرسيها بالأرض. أوقفت ميس دافيس العزف على البيانو. وخفضت ميس ووكر، المديرة، نظارتها. أما ميس هامبل، تلك المرأة العملاقة التي ترتدي الأحذية الرياضية على الدوام فوقفت على أطراف أصابعها. كانت معلمة التربية الرياضية وفي نفس الوقت رئيسة قسم اللغة الإنجليزية والدراسات الأدبية. أكملتُ طريقي إلى آخر الصف حيث الدكك الفارغة. لماذا لم يسمحوا بوجودها إلى جوار الباب؟

استؤنفت طقوس الصباح بعدما أعادت ميس دافيس نظارتها إلى مكانها وألقت رأسها للوراء. جثونا بعد ذلك للصلاة وأنهينا التجمع الصباحي بغناء ترتيلة المدرسة. 

"يا رب امنحنا مثل الخمس الساهرات

ننتظر مجيئك ونجاهد،

بينما تهذب كلُّ واحدة مصباحها".

لطالما شعرت أن هذه الترتيلة تهاجمني شخصيًا. كنت العذراء الحمقاء التي لم تهذب مصباحها وكانت متأخرة وغير مستعدة لمأدبة الزواج.

يقول بعض الناس إن هذه القصة عن العذراوات الحمقاوات في الكتاب المقدس مجرد قصة رمزية، يظن بعضنا أنها حقيقية. أتذكر إبان إحدى العطلات كنت أشرح معنى ترتيلتنا المدرسية لقريبة لي من بعيد في إيبوزا. كانت في مدرسة هي الأخرى، لكن ليست في "مدرسة كبيرة" مثلي. شهقت حين ذكرتُ العذراء. سألتني:

"أتعنين أن يسوع المسيح رفض نساءً، حتى وهن عذراوات، فقط لأنهن لم يهذبن مصابيحهن الغبية؟"

"ليس فقط لأجل المصابيح يا جوزيفين. لم يكنّ مستعدات للزواج".

"أتمنى لو كنت هناك. بوسعي أن أهذب وأملأ عشرين مليون مصباح لو أن هذا كل ما يلزم لأكون امرأة صالحة. ليس كهذا المكان العفن. حيث يتوجب أن تكوني عذراء، عذراء على الدوام".

نظرتُ إليها، خائفةً للغاية من أن أنطق بكلمة. كنا على أعتاب هذه السن التي يصير فيها من غير المسموح أن نتفوه بكل ما يدور في أدمغتنا. لكنني حدست أن قريبتي جوزيفين ستكون في ورطة كبيرة ليلة زواجها. لم تقل ذلك صراحة. لم تكن بحاجة لذلك. لكن، كما لو أنها أرادت أن تشعرني بالأسف عليها قالت:

"يمكنكِ قتل دجاجة وصب دمها على القماشة البيضاء التي ستستخدمينها في ليلتك الأولى مع زوجك".

هززت رأسي. لم أكن أعرف. لكنني قلت:

"تقول أمي إن أي دمٍ آخر يشحب قبل الصباح. أما الحقيقي وحده فيظل أحمر على الدوام".

بعد صمت غير مريح، قالت جوزيفين:

"بإمكاني تشذيب المصابيح. المسيحية أفضل في رأيي. بالنظر لكل الضرب والإهانات التي سيتعين على المرء أن يتلقاها لولاها. تشذيب المصابيح أسهل".

خُتنت أنا وجوزيفين في نفس اليوم، حينما كنّا بعمر الثامنة، إذ كنّا ننتمي لذات الفئة العمرية. كان هذا قبل سنوات عديدة، وها هي الآن تقول مثل هذا الكلام.

سألت عنها ذات يوم بعد عشرين عامًا من تلك المحادثة. فأخبروني أنها قد صارت راهبة. انضمت جوزيفين إلى دير للراهبات لأنها ظنت على الأرجح أن الرب سيقبل الفتيات اللائي، عن طريق الخطأ أو بدافع الفضول أو الجهل التام، قد صِرن مغامرات إلى حد ما. تحتاج المغامرة إلى اثنين لكن وحدها الفتاة هي من ستعاقب وهذا ما يدفع للتفكير في الأمر أحيانًا. كان يُفترض أن يكبح الختان هذا النوع من المغامرات. لست متيقنة. لكنني متيقنة أنني نجحت، حتى مع الختان، في إنجاب خمسة أطفال خلال خمس سنين وقبل أن أُتم خمسًا وعشرين سنة. تخيلوا كم كنت سأنجب -أو كيف كنت سأصير! - لو لم أُختن!  

تمامًا كقريبتي جوزيفين، كنت أتعامل مع ترتيلة المدرسة بمعناها الحرفي.

وأنا أفكر في الأمر الآن، فقد كانت حياة غريبة إلى حد ما تلك التي عشتها آنئذ، ولذا لم يكن مفاجئًا أن يكون لي عدد من المهارب. كان مهربي العظيم إلى الأدب، أو، إن لم يكن للأدب، فللحكايات. أذكر أول قصة إنجليزية قرأتها بنفسي: هانزل وجريتل. اعتدت على تخيل نفسي ضائعة، مثلهما، في الأدغال، وتصور أن أقربائي سيصيرون طيبين معي ويتوقفون عن ضربي. آمنت أن أمي ستعود وتبقى رفقتي أنا وأخي الأصغر كما كان الحال قبل وفاة أبي. حلمت أنها ستترك زوجها الجديد ابن قريتها، الذي يعيش معها فقط لأنه ورثها، لا لأنه تزوجها مثل أبي.

كنت أحيا من أجل الحكايات. إبان العطلات المدرسية، اعتدتنا العودة إلى إيبوزا. وهناك تجرعت فعليًا كل ما أخبرتنا به سيدات القرية العجائز.

لاحقًا بت أحلم بالحكايات، وحينها بدأت علاماتي الدراسية تعاني. بسبب إحدى حكايات الأحلام تلك وقعت في العديد من المشاكل، مثل ذلك اليوم الذي بدأ بداية سيئة للغاية بوصولي متأخرة إلى التجمع الصباحي.

لطالما حدست أن ميس هامبل لا تحبني. لا يوجد فيّ ما يمكن أن تحبه، على الإطلاق. كان مظهري جادًا للغاية على الدوام، بنظارة ضخمة، ودون أن أبدو نظيفة أو ذكية على نحو خاص. كان عملي الصفي ينهار بثبات، مما جعل حياتي تزداد صعوبة.

على أي حال، لم أرق أبدًا لمعلمتي الطويلة والعريضة مس هامبل. ولكن لأنني كنت أود أن أثير إعجابها كصديقتي كيهيندي لاول، كنت أُجِدُّ حقا في حصة الأدب التي تُدرِّسها.

لكن بلا فائدة. مس هامبل لا تحبني، لا يمكن فعل شيء حيال هذا. في ذلك اليوم تحديدًا، حدث شيء غريب إلى حد ما. كانت مس هامبل تقرأ قصيدة "كريستابل" لكولردج حين وصلت إلى المقطع الذي يقول فيه:

" تو – ويت! تو – هوو!

أصغ، ثانية! هذا صياح الديك،

كم يبدو نعسانًا وهو يصيح".

لم أفهم ما سمعته. فغرت فمي في دهشة. لم أعد بعد أحدق إلى مُدرّستي الإنجليزية ذات درجة الماجستير في اللغة من أكسفورد، بل عدت إلى أرض قرية أسلافي. كنت أنصت إلى صوت جدتي لأبي، برأسها الكبير المغطى بالصوف الأبيض المجعد، واللعاب الذي يسيل عبر زاوية فمها، ووجهها المتعرق الذي يتلألأ في حبات العرق، فيما أجلس عند قدميها، تحت شجرة الجاكية التي تظللنا من القمر الساطع، ومن حولنا الأطفال الذين لا يطيقون الجلوس لسماع القصص لأنهم يودون أن يلعبوا الأوجبي[1]، كنت هناك في إيبوزا، في أوموزيوكولو، في أودانتا، حيث ينحدر شعبي كله. كنت هناك، ولم أكن بعد أستمع إلى السيدة الإنجليزية الشابة المولودة في منطقة البحيرات والتي تلقت تدريبها في أوكسفورد بينما تناديني، تناديني أنا. نغزتني إحداهن. ثم انتبهت إلى صوت مس هامبل يأتيني حادًا وغاضبًا.

"فلورنس! فلورنس! ماذا ستصيرين حين تكبرين؟"

رددتُ:

"كاتبة".

ساد صمت عميق.

مَددتْ نفسها واقفةً على أصابعها كما لو كانت تنوي لمس السقف وأشارت نحوي بصرامة. ثم قالت بنبرة غليظة فيما أسنانها البارزة تبدو كما لو أنها ستتداعى:

"الغرور يسبق السقوط!".

كنت الآن منتبهة بالكامل. فقلت مرت أخرى إذ ربما لم تسمعني في المرة الأولى:

"لقد قلت إنني أود أن أكون كاتبة".

"اخرجي من الفصل، اخرجي فورًا، اذهبي إلى المصلى وتضرعي للرب كي يسامحكِ".

غمغمت:

"ها؟".

"وستأخذين علامة سيئة".

ثم أدركت أنها تتحدث جديًا. كنت أقف بجوار الباب مستعدة لأجري نحوها. علامات سيئة أخرى سوف تضاف وتظهر في تقريري المدرسي. ورغم ذلك، كنت مرتبكة. لم أعرف أي خطأ اقترفت. ترددت، وكانت عيناي لا تكفان عن التحديق إلى وجهها. رأيت أن فمها قد شرع يصنع شكل "علامة سيئة" أخرى. فجريت حينها ولم أتوقف حتى تأكدت أن مس هامبل لم يعد بإمكانها رؤيتي. بدأت أصعد السلالم بتثاقل نحو المصلى.

كان عقلي خاويًا في البدء، صوت مس هامبل وحده كان يرن في أذنيّ. صوت السلطة. ثم وبينما أقترب من المصلى، بت أسمع صوتي أنا، ضئيلًا، مضطربًا، وقد شرع يُظهِر بعض الشكوك. ماذا ستقولين للرب، ها؟ بماذا ستخبرينه يا فلورنس عندما تدخلين وتطلبين مغفرته؟ أستقولين له: "أرجوك أيها الرب لا تجعلني كاتبة؟!". ثم تقولين في الوقت ذاته: "ولكن، أيها الرب، كم أتمنى بشدة لو أصير كاتبة، حكّاءة قصص مثل أمهاتنا العجائز في وطننا إيبوزا. ولكن ليس مثلهن تمامًا، لا أود أن أُضطر للجلوس تحت ضوء القمر فقد ولدت في عصر الكهرباء، ولا أن أضطر لحكي قصصي بينما أستند بظهري إلى شجرة الجاكية. فقد تعلمت أن أستخدم أداة جديدة لممارسة نفس الفن، تعلمت لغة جديدة، لغة ميس هامبل وبقية المعلمات. إذن فما الذنب في هذا؟". نما صوتي فجأة وصار أكثر بروزًا حتى طغى على صوت ميس هامبل، وبحلول الوقت الذي وصلت فيه عند باب المُصلى، كنت قد قررت أن أتجاوزه. للرب مشاغل أكثر أهمية من معاقبتي على قول أحلامي بصوت عال. فكرت في هذه الحادثة لعدة ليال، وخلصت في النهاية لاستنتاج مفاده أن ميس هامبل ربما قد شعرت أن لغتها نقية للغاية على أن يستخدمها أمثالي للتعبير عن ذواتهم. لذا بالنسبة لها لم يكن ما قلته مجرد غرور فقط، بل وقاحة. لكنني ظللت أسألت نفسي لماذا تجشمت عناء ترك جزيرتها الأم والقدوم إلينا لتعلمنا لغتها؟ يؤلمني رأسي للغاية كلما حاولت فك هذا اللغز.


[1] الأوجبي هي لعبة شعبية تلعب باستخدام الألواح الخشبية التقليدية وقطع من الحصى أو الأصداف، يتنافس فيها لاعبان على الاستيلاء على أكبر عدد ممكن من قطع الخصم.





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية