بول بولز: الوادي الدائري (قصة)

2025-09-15 - Abdulwahab Arafa

رفع الراهبُ ذراعيه نحو السماء بحركةِ رجاء. وحينها وللمرّة الأولى شعرت الأتلَاخَلَا بالمقاومة، بلذّةِ الصراع. وكم كان لذيذًا أن تُدرك رغبة ذلك الفتى في طردها، وأحلى منها أن تظلّ رغمًا عنه ساكنةً فيه!

الوادي الدائري

قصة لبول بولز

ترجمة: عبد الوهاب عرفة

عن الكاتب:

"بول بولز" (1910م - 1999م) كاتب ومؤلف موسيقي أمريكي عاش في طنجة منذ 1947. وقد اشتهر برواية The Sheltering Sky، وبقصص قصيرة تمزج الاغتراب بالعنف النفسي، كما عُرف بترجماته من الأدب المغربي وتوثيقه للموسيقى الشعبية هناك. وقد شكّل هذا المزج بين حسّ الرحالة واهتمامه بالمكان بصمته الأدبية.

كُتبت قصة "The Circular Valley - الوادي الدائري" عام 1948، ثم جُمِعت ضمن مجموعة The Delicate Prey and Other Stories الصادرة عام 1950. وتدور في فضاءٍ بأمريكا الوسطى، حيث يُصبح المكان -أي الوادي الدائري- محرّكًا للتجربة السردية على عادة "بولز" في جعل الجغرافيا تُحدِّد مصائر الشخصيات. وتتمحور القصة حول روحٍ صامتةٍ تُدعى "الأتلَاخَلَا" تسكن الوادي وتتنقّل بين الأحياء، إذ نراها تتلبّس الطيور والحيوانات والحشرات، قبل أن تكتشف لذّة التعقيد الإنساني لحظة تلبّسها لراهب، ثم لصوصٍ فالجنود في إثرهم. ثم يبلغُ اكتمالها الحسّي في تلبسها لامرأة زائرة. ويستكشف "بولز" عبر تلبّساتها المتعدّدة حدود الوعي والجسد والرغبة مُذيبًا الفاصل بين الذات والطبيعة.

المترجم


بول بولز، عن جدلية

كان الدَّير المهجور قائمًا على ربوة صغيرة في قلب فسحة واسعة من الأرض تنحدر منها الجهات الأربع بانسياب نحو غابة كثيفة أشبه بشَعرٍ متشابك، وكان هناك جروف سوداء شاهقة تملأ الوادي الدائري وتحفّه كأنها جدران ليلٍ صامتٍ. وفي بعض الساحات كانت تنبت أشجار متفرقة اتخذتها الطيور ملتقى لها حيث تخرج من أعشاشها في الغرف والممرات ثم تعود إليها بعد أن تعبث بالهواء قليلًا. وقد أغار عليها اللصوص منذ زمنٍ بعيد فأخذوا منها كل ما يُنقَل. ثم احتلها الجنود وجعلوها مقرًا لهم وأشعلوا النار في قاعاتها الواسعة الباردة حتى غدت بعد رحيلهم أشبه بمطابخ قديمة خلت من الحياة. والآن وقد خلت من كل أثر بشري بدا أن لا أحد سيطرق أبوابها مجددًا. إذ شيدت الطبيعة حولها سورًا من عشب ونبات واختفى الطابق الأول خلف أشجار صغيرة تتدلى منها عروق كثيفة كمقاليع تطوّق حواف النوافذ وتحكم قبضتها على أحجارها. أما المروج المحيطة فقد نمت برطوبةٍ وغزارة، دون أن يقطعها درب.

وعند الطرف الأعلى من الوادي الدائري كان النهر يهوي من أعالي الجرف، يسقط في مرجل عظيم من الضباب والرعد ثم ينزلق بمحاذاة السفوح السوداء، يتلوّى بهدوء كأنما يعرف طريقه. وما إن يبلغ فجوة ضيّقة عند الطرف المقابل حتى ينساب منها خفيًّا دون شلالٍ أو هدير، خيطًا كثيفًا أسود، كحبلٍ مشدودٍ من الماء يندفع بين جانبي الوادي المصقولين هابطًا في سكونٍ مهيب. وبعد تلك الفجوة كانت الأرض تنفرج وتتسع ويعلوها نورٌ خفيف حيث تستقرّ قرية صغيرة على كتف التل تبتسم بهدوءٍ خارج حدود الوادي. أيام كان الرهبان يسكنون الدير كانوا يأتون باحتياجاتهم من هناك، إذ أن أبناء القبائل لم يكونوا ليخطوا إلى هذا الوادي أبدًا. وحين بُني الدير منذ قرون لم يكن بوسع الكنيسة أن تعتمد على سكان المنطقة فاستقدمت البنّائين من جهةٍ أخرى من البلاد. كانوا أعداءً قدامى للقبائل المحيطة ويتحدّثون بلغةٍ غريبةٍ عنهم وهكذا لم يكن من خوف أن تقع بينهم ألفة أو حوار. ولأن البناء استغرق سنين طويلة مات العمّال واحدًا تلو الآخر قبل أن يُستكمل الجناح الشرقي، حتى لم يبق منهم أحد. فأغلق الرهبان ما تبقّى من الجناح بجدرانٍ صمّاء، تاركينه ناقصًا كما هو يواجه الجروف السوداء.

جيلًا بعد جيل، كان الرهبان يأتون إلى الدير فتيانًا نضرين لا يلبثون أن يذبُلوا وتخفتَ حمرةُ خدودهم ويغزو الشيب رؤوسهم حتى يموتوا ويُدفنوا في الحديقة الواقعة خلف ساحة النبع. وفي يومٍ من الأيام ليس ببعيد غادروا جميعًا دون أن يُعرَف إلى أين ودون أن يسأل عنهم أحد. ولم تمضِ فترةٌ طويلة بعد ذلك حتى جاء اللصوص ثم الجنود. والآن كما في السابق لم يصعد أحدٌ من القرية عبر الفجوة لزيارة الدير إذ إن الهنود الحمر لا يتغيّرون. ولا تزال الأتلَاخَلَا تسكن هناك، فلما لم يستطع الرهبان قتلها تركوها أخيرًا ورحلوا. وإن لم يُفاجَأ أحدٌ بذلك، فإن الأتلَاخَلَا قد ازدادت هيبةً بعد رحيلهم. وعلى مدى القرون التي قضاها الرهبان في الدير، كان الهنود يتساءلون: "لماذا تسمح لهم بالبقاء؟" أما الآن وقد طردتهم، فقد بدا لهم أنها إنما صبرت عليهم حتى شاءت ثم أبعدتهم حين شاءت. إذ يقولون إنها سكنت ذلك الوادي منذ الأزل وستظل فيه لأنه وطنها لا تفارقه ولا تستطيع أن تغادره.

كانت الأتلَاخَلَا القلقة في الصباحِ الباكر تنساب في أروقة الدير، تمرُّ الغرفُ المظلمة من حولها واحدةً تلو الأخرى كأنّ الجدران تنحسر من تلقاء نفسها وتُفسِح لها الطريق. وفي فِناءٍ صغير حيث دفعت أشجارٌ فتية حجارة الأرض شوقًا إلى الشمس توقّفت لحظةً. حيث أنها وجدت الهواء مشبعًا بهمساتٍ واهية، وشعرت برفرفةُ الفراشات وتناثرُ الزهراتٍ الذابلة وهسيسُ الرياح وهي تمسح أطراف الأشياء وركضُ النمل في غبار النهار اللاهب. وقفت هناك في قلب ذلك الضوء، تستشعر تغيّر النغمات والألوان وتقلب الروائح بين لحظةٍ وأخرى، ووعت بيقظة كاملة تآكل الصباح البطيء وتحوله شيئًا فشيئًا إلى ظهيرة خافتة. كثيرًا ما كانت تتسلّل إلى سطح الدير عند المساء لتحدّق في السماء وهي تنحدر نحو الظلام، بينما يتردد هدير الشلال بعيدًا كأنّه أنين قديم. وليلة بعد ليلة وعلى مدار السنين كانت تحوم فوق الوادي ثم تهوي أحيانًا فتتحوّل إلى وطواط أو فهدٍ أو عثّة، لدقائق أو ساعات، ثم تعود لتسكن ساكنةً في مركز الفراغ حيث تصمت الجروف من حولها. وحين بُنيَ الدير بدأت تتردّد على غرفه حيث رأت هناك ولأوّل مرة ما لم تفهمه، حركات البشر، أي تلك الإيماءات المُضطربة التي يُسمّونها حياة.

وقد حدثَ في مساءٍ غافلٍ من مساءات الدير أن تلبَّسَت الأتلَاخَلَا أحدَ الرهبان الفتيَّة دون قصدٍ أو غاية. كان ذلك شعورًا جديدًا عليها غريبًا في غناه وتعقيده خانقًا على نحوٍ لا يُحتمل كأنّ كلَّ الاحتمالات قد انمحت ولم يبقَ سوى سجنٍ ضيّقٍ مغلق تُحرّكه عللٌ وأسباب لا مهرب منها. وقفت بجسده عند النافذة ونظرت إلى السماء وهناك لم ترَ النجوم بل الفضاءَ الذي بينها وما وراءها. وفي تلك اللحظة خالجها الحنين إلى الهروب، إلى الخروج من القوقعة الصغيرة التي احتجزت فيها نفسها. لكن شيئًا واهنًا فيها أشبه بالفضول أغراها بالبقاء. أن تظلّ قليلًا وتستسلم أكثر لذلك الإحساس غير المألوف. تشبّثت به ورفع الراهبُ ذراعيه نحو السماء بحركةِ رجاء. وحينها وللمرّة الأولى شعرت الأتلَاخَلَا بالمقاومة، بلذّةِ الصراع. وكم كان لذيذًا أن تُدرك رغبة ذلك الفتى في طردها، وأحلى منها أن تظلّ رغمًا عنه ساكنةً فيه! وفجأة أطلق صرخة واندفع إلى الجدار المقابل وانتزع سوطًا جلديًّا ثقيلًا كان معلّقًا ومزّق ثيابه ثم بدأ يجلد جسده بعنفٍ محموم. كادت الأتلَاخَلَا أن تنسلّ خارجه عند الضربة الأولى، لكنّها أدركت أن ذلك الألمَ الغريب الذي يسكنه في الداخل قد صار أشدّ وضوحًا تحت ضربات السوط، فبقيت متلذّذةً بضعفه المتنامي تحت يده. وحين انتهى وتمتم بصلاةٍ خافتة زحف إلى فراشه ونام باكيًا. وعندئذ فقط خرجت الأتلَاخَلَا منه بهدوءٍ ودخلت طائرًا كان يبيت فوق شجرةٍ عظيمةٍ عند حافة الغابة تُنصت لِأصوات الليل بدقّة وتطلق من حينٍ إلى آخر صرخةً حادّة.

لم تَعُد الأتلَاخَلَا منذ تلك الليلة قادرةً على مقاومة انجذابها إلى أجساد الرهبان. فأخذت تتنقّل بينهم واحدًا تلو الآخر، وقد وجدت كلَّ جسدٍ منهم عالمًا قائمًا بذاته، تجربةً جديدة، تحمل طيفًا مدهشًا من الإحساس والتفرّد. فهذا يجلس بهدوءٍ ليقرأ أو يصلّي وذاك يمشي طويلًا في المروج حول المبنى يدور مرارًا دون هدى وثالث يفتعل شجارًا غريبًا مع أحد رفاقه، ورغم كونه بلا سبب، فقد كان مليئًا بالمرارة. بعضهم بكى بصمت وبعضهم جلد نفسه ومنهم من استدعى رفيقًا ليجلده عنه. دائمًا كانت تجد وفرةً طافحةً من المشاعر، وفرة جعلتها تنسى الطيور والحشرات والوحوش التي كانت تسكنها من قبل. بل إنها كفّت حتى عن مغادرة الدير، فلم تَعُد تشتهي الهواءَ أو العلوّ كما اعتادت من قبل. وقد كادت تتورّط لمرّة واحدة حين سقط راهب عجوز كانت تسكنه ميتًا دون إنذار. وقد وجدت أن هذا أحد مخاطر سُكنى البشر، أنهم لا يعرفون متى تداهمهم النهاية وإن عرفوا تظاهروا بغير ذلك بقوةٍ تكاد تُقنع الموت نفسه بالتراجع. أما الكائنات الأخرى فكانت تعرف إلا إن أُخذت على حين غرّة وافترسها صيّاد. وهذا ما كانت الأتلَاخَلَا تقدر على دفعه، فالطائر الذي تسكنه كانت تهابه الصقور والنسور.

وحين رحل الرهبان عن الدير وخلعوا ثيابهم بأمرٍ من الحكومة وتفرّقوا في الأرض عمّالًا منسيّين، وجدت الأتلَاخَلَا نفسها تائهةً فلم تدر كيف تقضي أيامها ولياليها. حيث عاد كلُّ شيء كما كان قبل أن يأتوا. لم يبق في الوادي سوى مخلوقاته القديمة التي كانت دومًا تسكن دائرته دون أن تسأل ودون أن تتغيّر. وحينها جرّبت أن تسكن حيّةً عظيمة ثم غزالًا فنحلة صغيرة لكن لم يحمل أيٌ منهم تلك الوفرة التي تعلّقت بها. وعلى أن كلّ شيء بدا كما كان، فلم يكن كذلك لها. حيث إنها عرفت الإنسان وعرفت قلقه وهشاشته وتوقه المضطرب للمجهول. ولم يبقَ الآن في الوادي من أحد منهم. وحده ذلك المبنى المهجور وغرفه الخالية كأنّها شواهدُ تؤكّد غيابهم وتزيد من فداحة ذلك الغياب.

ثم وفي عامٍ ما جاء اللصوص، مئاتٌ منهم، في مساءٍ عاصفٍ تسبقهم الريح وتحفّهم الرعود. ففرحت بقدومهم واندفعت تختبر أجسادهم واحدًا تلو الآخر بينما كانوا متمدّدين في القاعات ينظّفون أسلحتهم ويسبون العالم. وهناك في أجسادهم الغليظة اكتشفت وجوهًا أخرى من الإحساس: كرهًا أسودَ للعالم وخوفًا متربّصًا من الجنود الذين يطاردونهم ونوباتٍ مباغتة من شهوةٍ فوضويّة تجتاحهم وهم سكارى حول نارٍ خافتةٍ تشتعل وسط الأرضيّة. ثم ذاك الألم القاتل المُسمى بالغيرة والذي أيقظته في بعضهم الليالي المشتعلة بالعبث والفوضى. لكن اللصوص لم يلبثوا طويلًا وحين رحلوا جاء الجنود في إثرهم. ولم تجد من فرق يُذكر بين أن يكون المرء لصًّا أو جنديًّا. فرغم أن الخوف والكره قد غابا فإن كلّ شيءٍ آخر بقي كما هو. والأغرب من كلّ ذلك أن لا أحد منهم شعر بوجودها. كانت تنزلق من جسدٍ إلى جسد ولا يتغيّر شيء. وهذا ما حيّرها فقد كانت مع الرهبان تُحرّك أعماقهم، حيث تَظهر في ارتجافاتهم وفي دعائهم وجلدهم لأنفسهم. أما هؤلاء -الجنود واللصوص- فلم تشعر بهم ولم يشعروا بها وخيّبها ذلك الصمت، أن تكون حاضرةً ولا يراها أحد.

ومع ذلك وجدت الأتلَاخَلَا في اللصوص والجنود لذّةً عظيمة ولم تكن وحدتها بعدهم إلا أشدَّ قسوةً وثقلًا. فكانت حينًا تصير إحدى السنونوات التي تبني أعشاشها بين الصخور القريبة من قمة الشلال، تنقضّ تحت شمسٍ لاهبة مرارًا في ستار الضباب المتصاعد من الأعماق وتُطلق أحيانًا صرخاتٍ متهلّلة. وتارةً تقضي نهارها في جسد قملةٍ نباتيّة تزحف ببطءٍ على ظهر الورقة وتحتها، تعيش في سكينةٍ وسط عالمٍ أخضرَ فسيحٍ لا تصل إليه سماء ولا تبلغه عين. أو تهيمُ ليلًا في جسد نمرٍ مخمليّ تعرف فيه نشوةَ الافتراس. بل إنها مرّةً قضت عامًا كاملًا في جسد سمكة أنقليس في قاع الغدير الذي يربض أسفل الشلال تدفع الطين بأنفها العريض في بطءٍ وهدوءٍ وانسياب، وقد كان ذلك زمنَ راحة لكن ما لبث أن عاد إليها الشوقُ المضني لمعرفة سرِّ الحياة البشريّة، ذلك الهاجس الذي لا تملك منه فكاكًا. وها هي الآن تتنقّل قَلِقةً في الغرف الخرِبة بحضور أبكم وحيدة ومتعطّشةً لأن تتجسّد من جديد، لكن في جسد إنسان فقط. ومع امتداد الطرق عبر البلاد كان لا بدَّ للبشر أن يعودوا يومًا إلى الوادي الدائري.

وهكذا وذات يوم انطلق رجل وامرأة بسيارتهما حتى بلغا قرية هادئة عند سفح السهول. فأخبار الدير المهجور كانت قد وصلت إليهما وكذلك حديث الناس عن الشلال العاتي الذي يهبط من أعالي الجُرْف إلى قلب المدرج الحجري الكبير. وقد راودهما الفضول فقرّرا أن يريا المكان بأعينهما. فامتطيا حمارين ومضيا في الطريق حتى وصلا إلى القرية الواقعة عند أطراف الفجوة، لكن الهنود الذين استأجراهم رفضوا التقدُّم أبعد من ذلك. فتابعا وحدهما يصعدان ببطء بين جدران المضيق حتى بلغا أرض الأتلَاخَلَا، وهما لا يعلمان أنّ ما يسكن هذه الأرض ما يزال ينتظر جسدًا جديدًا ليحلّ فيه.

كان الوقت ظهيرةً حين دخلا الوادي وكانت أضلاع الجُرْف السوداء تلمع تحت الشمس كأنها صفائح زجاج منصهر. فأوقفا الحمارين عند كومةٍ من الصخور على حافة المروج المنحدرة وهناك نزل الرجل أولًا ثم مدّ يده ليُعين المرأة. فأمالت جسدها نحوه ووضعت كفّيها على وجهه وتبادلا قبلة طويلة صامتة. ثم حملها برفق إلى الأرض وصعدا سويًّا يدًا بيد فوق الصخور. كانت الأتلَاخَلَا تحوم قريبًا منهما تحدّق في المرأة بترقّب إذ أنها هي أوّل امرأة تطأ أرض هذا الوادي. جلسا معًا تحت شجرة صغيرة على العشب يتبادلان النظرات والابتسامات. وبدافع العادة تسللت الأَتْلَاخَلَا إلى جسد الرجل. وفورًا بدلًا من أن تعيش في حضن الهواء المضيء بنداءات الطيور وعبق النباتات وجدت نفسها مسجونةً في شعور طاغٍ بجمال المرأة واقترابها الساحق. تلاشى كل شيء، الشلال والأرض والسماء... ولم يتبقّ إلا ابتسامتها وذراعاها وعطرها. كان عالمًا خانقًا ومؤلمًا. لم تظنّ أنه يمكن أن يكون بهذا الوجع. ومع ذلك وبينما الرجل يتكلم والمرأة ترد ظلّت ساكنة فيه تراقب بصمت.

"اتركيه. إنه لا يحبك".
"سيقتلني".
"لكنني أحبك، وأحتاجك إلى جانبي".
"لا أستطيع. إنني أخافه".

وحينها مدّ الرجل يده ليجذبها إليه فتراجعت قليلًا غير أن عينيها اتسعتا ببطء. وهمست وهي تُحوّل وجهها نحو جدران الدير الصفراء: "معنا يومنا هذا".

فاحتضنها بعنف كأنما يطوّق الحياة ذاتها بذراعيه، كأنّ ضمّه لها نجاة. وقال وهو يلهث: "لا، لا... لا يمكن أن يستمرّ الأمر هكذا. لا يمكن".

كان ألم معاناته فادحًا لا يُحتمل فانسحبت الأتلَاخَلَا من جسده برفق وانسابت إلى المرأة. ولوهلةٍ ظنّت نفسها لا تسكن شيئًا بل عادت إلى ذاتها العارية من الزمان والمكان، إذ شعرت بالرياح تتهادى وباهتزازات الأوراق الصغيرة وبالهواء المضيء من حولها، كأنها ولأول مرّة تدرك الوجود. لكن ثمة فرقًا فكلُّ عنصرٍ بدا متضاعفًا في حضوره مضيئًا بأضعاف، والكون بأسره انبسط فجأةً لا حواجز له ولا حدود. عندئذٍ فهمت ما كان الرجلُ يفتّش عنه في المرأة وعلمت أن عذابه ناشئٌ عن عجزه الأزلي عن بلوغ اكتمالٍ يتوق إليه ولن يبلغه. أما هي وقد اتّحدت بالمرأة فقد بلغته وحين أيقنت أنها تمتلكه ارتجف كيانها نشوةً. ارتعشت المرأة حين التقت شفتاها بشفتي الرجل. وهناك فوق العشب في ظلّ الشجرة تصاعدت لذّتهما إلى ذُروةٍ لم يعرفاها من قبل، والأتلَاخَلَا وقد غدت تعرف كليهما صارت جسرًا خفيًّا بين ينابيع الرغبة المكنونة في أعماقهما. طوال ذلك بقيت في المرأة وبدأت في خيالٍ غائمٍ تضع الخطط لتبقيها -إن لم يكن في الوادي، فعلى الأقل قريبةً منه- لعلّها تعود.

في ساعاتِ العصر وبخطى حالمة كأنّها من رؤيا سارا نحو الحمارين وامتطياهما يسوقانهما عبر العشب الكثيف نحو الدير. وحين دخلا الفناءَ الواسع توقّفا، يتأملان في حذرٍ الأقواسَ العتيقة تحت ضوء الشمس والعتمةَ التي تكمُن خلف الأبواب.

وحينها قالت المرأة: "أندخل؟"
فأجابها الرجل: "يجب أن نعود".
فقالت بهدوءٍ حاسم: "أريد أن أدخل". (وهناك ابتهجت الأتلَاخَلَا).

وفي تلك اللحظة انسلّ ثعبانٌ رماديٌّ رفيع على الأرض واختفى بين الشجيرات. لم يرياه.
فنظر إليها الرجل وقد ارتبك، وقال: "لقد تأخر الوقت".

لكنّها قفزت من على ظهر الحمار وحدها وسارت تحت الأقواس إلى الممرّ الطويل في الداخل. (لم تبد الغرف يومًا حقيقية بهذا القدر الذي بدت عليه لحظتها، لحظة أن رأتها الأتلَاخَلَا بعينيها).

وحينها تنقّلا بين الغرف جميعًا غرفةً تلو الأخرى. ورغبت المرأة في الصعود إلى البرج، لكنّ الرجل وقف حازمًا هذه المرة. 

قال وهو يضع يده على كتفها: "يجب أن نعود الآن".
فقالت وقد تغيّرت نبرتها: "هذا يومُنا الوحيد معًا، ولا تفكّر إلا في العودة".
"لكن الوقت...".
"سيضيء القمر لنا الطريق. لن نتوه".
لكنه لم يغيّر رأيه ورفض.
فأجابته: "كما تشاء. سأصعد أنا. ويمكنك أن تعود وحدك إن أردت".
ضحك الرجل بارتباك: "أنتِ مجنونة". وحاول أن يُقبّلها.

أدارت وجهها عنه ولم تُجِبْهُ على الفور. ساد الصمت لحظة ثم قالت بصوت مثقل بالخذلان: "تطلب منّي أن أترك زوجي من أجلك... تطلب كلّ شيء! لكن ماذا تعطيني في المقابل؟ ترفض حتى أن نصعد معًا إلى هذا البرج الصغير لترى المنظر! ارجع. ارجع وحدك".
أجهشت بالبكاء ثم اندفعت نحو الدرج المعتم. ناداها، وسارع خلفها، لكنه تعثّر في موضعٍ ما على الطريق. أمّا هي فكانت تصعد كما لو أنّ قدميها تحفظان الطريق عن ظهر قلب، كما لو أنها ارتقت هذه الدرجات من قبل. تمضي في الظلمة، تدور وتصعد دون تردّد.

بلغت القمّة أخيرًا ونظرت من الفتحات الصغيرة في الجدران المتشققة. العوارض التي كانت تحمل الجرس قد تهدّمت وسقطت والجرس الضخم مقلوب على جانبه وسط الأنقاض كجثّة حيوانٍ نافق. كان صوت الشلال أعلى هنا والوادي من تحتها غارق في الظلال الثقيلة. وقد ظلّ الرجل في الأسفل ينادي باسمها مرارًا لكنها لم تُجبه. وقفت ترقب ظلّ الجُرف وهو يزحف ببطء مبتلعًا للزوايا الأخيرة من الوادي ثم بدأ في تسلّق الصخور العارية جهة الشرق. وفي تلك اللحظة تشكّلت في ذهنها فكرة. لم تكن من تلك التي اعتادت أن تخطر لها لكنها جاءت واضحة صافية تتّسع وتزداد ثباتًا حتى لم يعد في وسعها تجاهلها. وحين اكتملت بداخلها استدارت ونزلت بخفّة. عند أسفل السلّم وجدته جالسًا في الظلمة يتأوّه بصوت خافت.

قالت: "ما خطبك؟"
"أصبتُ ساقي... هل أنتِ مستعدة للرحيل أم لا؟"
أجابته بهدوء: "نعم"، وأكملت: "آسفة على تعثرك".
ودون أن يقول شيئًا نهض وهو يعرج وتبعها بصمتٍ إلى ساحة الدير حيث كانت الحمير تنتظر. كان الهواء الجبلي البارد قد بدأ يهبط من أعالي الجروف. وفيما كانا يمتطيان حميرهما عبر المروج، بدأت تفكّر في الطريقة التي ستفتح بها الموضوع. (لا بدّ أن يتمّ ذلك قبل أن يصلا إلى الفجوة. وكانت الـ"أَتْلَاخَلَا" ترتجف).
سألته: "هل تسامحني؟"
فضحك وقال: "بالطبع".
"وهل تحبّني؟"
"أكثر من أي شيء في هذا العالم".
"حقًا؟"
نظر إليها في ضوء الغروب المتلاشي ووجدها جالسة معتدلة فوق الدابة المتهادية. وقال بصوت خافت: "تعرفين مدى صدقي في ذلك".
ترددت قليلًا، ثم قالت أخيرًا: "فلا يوجد سوى حل واحد".
"وما هو؟"
"أخافه ولن أعود إليه. عد أنت. سأبقى في القرية هنا". (وحين تكون قريبةً إلى هذا الحدّ، ستأتي إلى الدير كلّ يوم). وأكملت: "عندما يتمّ الأمر ستعود لتأخذني. سنذهب إلى مكانٍ آخر حيث لن يعثر علينا أحد هناك".
كان صوت الرجل غريبًا حين نطق قائلًا: "لا أفهم".
"بل تفهم. وهذا هو الحل الوحيد. افعل ما تشاء وسواء مضيت فيه أو لا، فهذا هو الطريق الوحيد".
وواصلا السير بخطًى متثاقلة في صمتٍ ثقيل. وكان الوادي قد بدأ يلوح أمامهما معتمًا في مواجهة سماء المساء.
ثم قال الرجل بصوتٍ واضحٍ حازم: "أبدًا".

وفي اللحظة التالية انفتح الطريق إلى فسحةٍ مرتفعة تطلّ على المياه المتدفقة في الأسفل. وصل إليهما صدى النهر مجوفًا وخافتًا. وكان الضوء في السماء قد انطفأ تقريبًا، واكتسبت الملامح في الشفق خطوطًا زائفة. كان كلُّ شيءٍ رماديًّا -الصخور والشجيرات والدرب- بلا مسافة تفصل شيء عن آخر ولا حجم لكل منهم. فأبطآ السير.

وكان صوته لا يزال يتردد في أذنها.

صرخت فجأة وفي صوتها حدّة لم تألفها من قبل: "لن أعود إليه! ارجع أنت. العب معه الورق كما اعتدت وكن له الصديق الطيّب الذي كنت دائمًا. أمّا أنا... فلا. لا أستطيع أن أعيش وكلاكما في المدينة". (لم تنجح الخطة. أدركت الأتلَاخَلَا أنها فقدت المرأة. لكنّها كانت تعلم أنّ بوسعها، رغم كل شيء، أن تساعدها).

قال لها الرجل بصوتٍ رقيق: "إنك متعبة جدًّا".

وكان محقًا. فما إن نطق بكلماته حتى أحسّت فجأة أن تلك الخفة وتلك النشوة الغريبة التي صحبتها منذ الظهيرة قد تلاشت تمامًا. فأطرقت برأسها في إنهاك، وهمست: "نعم... فعلًا".

وللحظة أخيرة حين بلغت الممرّ الذي يشكّل حافّة وجودها، تسلّلت الأتلَاخَلَا منها مرتجفة. رفعت المرأة رأسها وارتجف جسدها رجفة خفيفة كأنها نداء بلا صوت ثم أرخَته من جديد واستسلمت للسكينة.

وهناك تعلقت الأتلَاخَلَا في الهواء الباهت تحلّق فوق الطريق تراقب صورتها وهي تنحلّ شيئًا فشيئًا في عتمة المساء المتثاقلة. (فإنها وإن لم تستطع أن تُبقيها، فقد أمكنها على الأقل أن تُعينها).

وفي اللحظة التالية كانت وحدها في البرج تُصغي إلى العناكب وهي تعيد نسج خيوطها التي قطعتها المرأة. وسيطول من هنا الزمن طويلًا -طويلًا جدًّا- قبل أن تنهض من جديد وتجد جسدًا آخر تسكنه. بل وربّما إلى الأبد.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية