قدمت جاين جاكوبز رؤيتها النقدية لأساليب التخطيط العمرانى المركزية اللي كانت منتشرة وقتها في أمريكا بعد نهاية الحرب العالمية التانية، وأكدت على أهمية التنوع والتفاعل الاجتماعي في خلق مدن حيوية ومزدهرة.

بين السيدة عائشة وجين جاكوبز

مقال: محمد فريد

أجندة التراث هي سلسلة مقالات بالعامية المصرية هدفها التعريف بمفاهيم التراث الثقافي وفلسفات التعامل معاه


تصميم محمد فريد

لما الكاتبة والناشطة الأمريكية جين جاكوبز نشرت كتابها الأشهر والمعروف في الأوساط الأكاديمية "حياة وموت المدن الأمريكية" سنة 1961، ما كانتش تعرف إن أفكارها (بعد سنين) هتكون صعبة ومش مقبولة عند "المسؤولين" عن القاهرة التاريخية وغيرها من المواقع التراثية فى مصر المحروسة و حملات الهدم الممنهجة اللي بتحصل فيها (أو حواليها) وآخرها منطقة السيدة عائشة!

في الكتاب ده، قدمت جاين جاكوبز رؤيتها النقدية لأساليب التخطيط العمرانى المركزية اللي كانت منتشرة وقتها في أمريكا بعد نهاية الحرب العالمية التانية، وأكدت على أهمية التنوع والتفاعل الاجتماعي في خلق مدن حيوية ومزدهرة. وكمان عبرت عن رفضها للتخطيط الحضري اللي ما بيعتبرش ولا يقّدَّر المشاركة المجتمعية في صنع القرار، واستدلت بده بأن المدن الناجحة بتتكون من شبكة معقدة وعضوية من الشوارع والأحياء والأنشطة الاجتماعية التلقائية والمركبة. عشان كده جين جاكوبز كانت بتفضل الوتيرة التدريجية لإعادة التطوير واللى بتسهل الإضافة الإيجابية للمدينة القائمة دون المساس بصورتها التاريخية.

جين جاكوبز ما كانتش بس كاتبة وناشطة حضرية، كمان كانت ناشطة سياسية ومدافعة عن الحقوق المدنية، قدمت مقاومة قوية قدام مشروعات التجديد الحضري الكبيرة اللي ظهرت بعد الحرب العالمية التانية في أمريكا واللي كانت قايمة على هدم الأحياء القديمة والتاريخية منخفضة الدخل وإحلالها بمباني ضخمة وتجارية في الأغلب. شاركت جاكوبز في المظاهرات والاعتصامات واشتغلت مع السكان المحليين للدفاع عن حقوقهم للاحتجاج على خطط إعادة التطوير في مدينة نيويورك.

جاكوبز بتشوف إن وجود الأحياء والمباني التراثية ضروري وأساسي لتوليد التنوع في المدينة، وانها مش بس للسياحة والنوستالجيا زى ماحنا بنشوف فى مصر كتير، وربطت الفكرة دي بمنهجية متكاملة تتقابل فيها القيم الرمزية والعلمية والعملية والاقتصادية للتراث من غير الفصل بينهم أو تفضيل واحد عن التاني، وده مش ممكن يحصل من غير تحديد قوة راس المال وآثارها على الفضاء الحضري. لكن الفكرة دى مش معناها اننا مش هنطور أو نعمل مبانى جديدة، بس حجة جاكوبز كانت ضرورة الحفاظ على التوازن بين المباني صاحبة الأعمار المختلفة، وان ده هو الطريق الأمثل لضمان التنمية المستدامة للمدن والمناطق التاريخية.

أكبر معارك جاكوبز كانت مع روبرت موزيس، وهو رئيس السلطة الحضرية في نيويورك في الخمسينات من القرن اللى فات، ومخطط المدن الأكثر تأثيرًا في الفترة دى بعد الحرب العالمية، واللى قاد بنفسه حملات مستمرة لإزالة الأحياء العتيقة وإقامة طرق سريعة ضخمة وجسور، هدفها الرئيسي كان تحسين حركة المرور وتسهيل الوصول إلى المدينة دون النظر إلى أي سياق تاريخي أو اجتماعي وهو (ويا لسخرية القدر) نفس الهدف اللى المخططين المصريين بيستهدفوه دلوقتى بعد سبع  عقود.

اتصادمت رؤية جاكوبز ورؤية موزيس للمستقبل الحضري لنيويورك لسنين طويلة، وظهرت نقاشات وجدالات شرسة في الصحافة والمساحات العامة. وفي الآخر، قدرت جين جاكوبز ومجموعتها تعمل تغييرات جوهرية في سياسات التخطيط الحضري في نيويورك، وتم التراجع عن كتير من خطط التجديد الحضري الضخمة اللي صممها موزيس، ورجع دور المشاركة المجتمعية في صنع القرارات الحضرية. معركة جاكوبز مع موزيس عدت حدود نيويورك وفضلت مصدر إلهام للمدن فى العالم كله. ولكن للأسف -على ما يبدو- إن الإلهام ده ما وصلش للسيدة عائشة لحد دلوقتى. فى وسط "الظروف التى تمر بها البلاد" ممكن نسأل فين جين جاكوبز المصرية؟ فين الخبراء والصحفيين اللي بيشتكوا على وسائل التواصل الاجتماعى بس من غير أي تأثير على الأرض. ممكن نفوق قبل ما البلدوزرات الغاشمة  تخلص على باقى مدينتكم!  أليس منكم "جين جاكوبز" رشيد!