حتى في الوقت الحالي، ومع اطمئناني لمرات غير معدودة على اتساق جسدي، وبعدما صرت ناضجة بما فيه الكفاية ﻷعي أن أغلب أحاسيسي واهنة الصلة بحقيقة قوامي، فما زلت مع ذلك مهووسة باﻷثداء.

مقال لـ نورا إفرون

ترجمة: محمود راضي

نُشرت هذه المقالة في مجلة «إسكواير» اﻷمريكية في اﻷول من مايو 1972.

نورا إفرون (1941-2012): كاتبة وروائية وصحافية وصانعة أفلام أمريكية، اشتهرت بين عشاق السينما بأفلامها الرومانسية الكوميدية التي من أبرزها: When Harry met Sally، Sleepless in Seattle، You’ve Got mail. ترشحت لجائزة اﻷوسكار ثلاث مرات في فئة أفضل سيناريو، وكان آخر أفلامها هو Julie and Julia الذي أخرجته أيضًا. توفيت في العام 2012 بعد معاناة مع اللوكيميا.


نورا إفرون عن موقع TIME

عليّ البدء ببضع كلمات عن اللاجندرية، ففي المدارس الابتدائية، وخلال الصفين الخامس والسادس، اضطهدتنا مجموعة قواعد جامدة تحدد افتراضيًا ما إذا كنا صبية أم فتيات. على غرار ما جرى من أمور في ذلك الفصل من رواية «مغامرات هكلبري فن» حين تنكر «هك» في هيئة فتاة، وانكشفت حقيقته بسبب طريقته في لضم الخيط وتلقف البكرة. تعلمنا أن طريقة جلوسك، وكيفية وضع ساقيك، وإمساكك بالسيجارة، والنظر إلى أظافرك والساعة في المعصم، وكيفية قيامك بهذه اﻷمور غريزيًا دليل دامغ على جنسك. من الواضح أن أغلب اﻷطفال لم يأخذوا تلك اﻷمور بحرفية، لكني كنت كذلك. ظننت أن مجرد هفوة واحدة، أو طريقة غير صحيحة في وضع السيقان، أو نفض رماد سيجارة خيالية قد يبدل وضعي أيا ما كنت عليه إلى النقيض، وهذا كل ما كان سيحتاجه اﻷمر حقًا. رغم أنيّ كنت في الظاهر فتاة، وأملك كثير من الصفات المرتبطة بالبُنوتة عمومًا، على سبيل المثال: اسم فتاة، وفساتين، وهاتفي الخاص، ودفتر اﻷوتوجرافات، فقد قضيت سنوات مراهقتي اﻷولى أعلم يقينًا أني قد أتوقف عن هذا في أي لحظة. لم أشعر على اﻹطلاق أني فتاة، كنت صبيانية، كنت رياضية، وطموحة، وصريحة، ومتبارية، ومزعجة، وهائجة. ظهرت لديّ جروح متقشرة على رُكبتي، وجوربيّ ينزلقان داخل حذائي الخالي من الكعوب، وأمكنني قذف الكرة. أردت باستماتة ألا أصير على هذه الشاكلة، ألا أصير هجينًا من كلا الجنسين، وأن أكون شيئًا واحدًا بدلًا من ذلك، فتاة، فتاة بلا جدال ولا لبس، ناعمة ومتأنقة مثل غرفة طفل، وشعرت أن لا شيء سيفعل ذلك من أجلي سوى الثديين.

كنت أصغر بستة أشهر من سائر زميلاتي في الفصل، ولذا على مدار ستة أشهر بعدما بدأ اﻷمر، على مدار ستة أشهر بعد بدء أثداء صديقاتي في النمو (كانت هذه الكلمة التي استخدمناها: نمو)، لم ينتابني نوع بعينه من القلق. كنت أجلس في حوض الاستحمام وأتطلع إلى ثدييّ، وأعرف أنه في أي يوم اﻵن، في أي ثانية اﻵن، سيبدآن في النمو مثل الجميع. لم ينموا. قلت ﻷمي ذات ليلة: «أريد شراء حمالة صدر»، قالت: «لماذا؟». كانت أمي تبغض حمالات الصدر حقًا، ومع إدراك شقيقتي الثالثة لحظة استعدادها لطلب واحدة، حولت أمي اﻷمر برمته إلى روتين كوميدي، كانت تقول: «لم لا تستخدمين ضمادات جروح بدلًا منها؟». كان مصدر افتخار عظيم لدى أمي عدم اضطرارها مطلقًا لارتداء حمالة صدر إلى أن أنجبت طفلها الرابع، وحينها أجبرها طبيبها النسائي على ذلك. لم يكن مفهومًا لي على اﻹطلاق افتخار أي امرأة بأمر مثل هذا. كانت تلك حقبة الخمسينيات بحق الرب: جين راسل. سترات الكشمير. ألم تستطع أمي رؤية هذا؟ كنت أصرخ وأنتحب وأصيح: «كبرت على ارتداء فانلّة داخلية»، وتقول أمي: «إذن لا ترتدي فانلّة داخلية»، «لكني أريد شراء حمالة صدر»، «لماذا؟».

أظن أن للأثداء وحمالات الصدر وذلك اﻷمر برمته وقع صادم أكثر بالنسبة للفتيات، وأكثر مما عداه، وذو صلة أكبر بالخروج من مرحلة المراهقة، والتحول إلى امرأة. أكثر بالتأكيد من مروركِ بفترة الطمث، رغم صدمة ورمزية هذه المسألة أيضًا. لكن يمكنكِ رؤية الثديين، فهما موجودان وبارزان، بينما يمكن للفتاة أن تدعي بخصوص مرورها بفترات الطمث قبل حدوثها فعليًا ولن يدرك أحد الفارق، وهو بالضبط ما فعلته. كل ما عليكِ فعله إحداث جلبة بشأن الحصول على بضع نيكلات كافية من أجل ماكينة «كوتكس»، والتجول وأنتِ تمسكين ببطنكِ، واﻷنين لمدة تتراوح من ثلاثة لخمسة أيام في الشهر بخصوص «اللعنة» وستقنعين الجميع. ثمة مدرسة فكرية في مكان ما حيث تتقاطع حركة تحرير المرأة مع المجلات النسائية مع طب النساء والتوليد، تدعي أن تشنجات الطمث مسألة سيكولوجية محضة، وأنا أميل لهذا. لا يعني هذا أني لم أمر بها نهائيًا، فهناك تشنجات مؤلمة، وتشنجات تحتاج لوسادات تدفئة، وتشنجات تستدعي الذهاب إلى ممرضة المدرسة والاستلقاء على النقالة، وإنما ﻷنه على عكس أي ألم أحسست به، فأنا أحببت اﻵم التشنجات، ورحبت بها، وانغمست فيها، وتفاخرت بها. «لا أستطيع الذهاب، عندي تشنجات»، «لا أقدر على القيام بذلك، عندي تشنجات»، واﻷكثر استخدامًا على اﻹطلاق مع ضحكة وحمرة خجل: «لا أستطيع السباحة، لدي تشنجات». لم يلجأ أحد إلى المفردة الصريحة: الحيض، يا إلهي، يا لها من كلمة بشعة، ليس هذه أبدًا. «عندي تشنجات».

في صباح أول طمث، توجهت إلى غرفة نوم أمي كي أخبرها، فانفجرت أمي في البكاء، أمي التي بغضت حمالات الصدر بشدة. كانت لحظة جميلة حقًا، وأتذكرها بصفاء شديد ﻷنها إحدى المرتين التي بكت فيهما أمي بسببي (والمرة اﻷخرى حين ضبطتني بسبب هوس السرقة وأنا في السادسة من عمري)، وأيضًا ﻷن الواقعة لم تعنِ لي ما عنته لها. فتاتها الصغيرة، وابنتها اﻷولى صارت امرأة، وهذا ما بكت ﻷجله. 

بدأت بحمالة صدر  مقاس 28 AA، لا أظن أنهم صنعوا مقاسًا أصغر من ذلك في تلك اﻷيام، رغم أني أحسب أنك قادرة الآن على شراء حمالات صدر خالية من أي تكويبات لفتيات في الخامسة، يسمونها حمالات صدر رياضية. كانت حمالتي اﻷولى من متجر روبنسونز في بيفرلي هيلز؛ ذهبت هناك بمفردي مرتعدة، ومتيقنة من أنهم سينظرون إليّ ويبتسمون ويخبروني أن أعود العام القادم. اصطحبتني موظفة قياسات الملابس إلى غرفة القياس وأوقفتني في أثناء خلعي بلوزتي، وجربت حمالة الصدر اﻷولى. برز الانتفاخان الصغيران من صدري. قالت موظفة القياسات: «انحني». (حتى يومنا هذا، لست متأكدة مما تفعله موظفات القياس في أقسام حمالات الصدر غير أمرك بالانحناء). انحنيت مع أمل عابر أن يتدلى ثدياي من جسدي ومن الانتفاخين بمعجزة. لكن لا شيء.

قالت لي صديقتي ليبي بعدها ببضعة أشهر: «لا تقلقي بشأنهما»، وحين لم تتحسن اﻷمور، «ستحظين بهما حين تتزوجين».

قلت: «عم تتحدثين؟»

أوضحت ليبي مقصدها: «حين تتزوجين، سيلمس زوجكِ ثدييكِ، ويدعكهما، ويُقبلهما، وسينموان».

تلك كانت القاضية، يمكنني التعامل مع التقبيل، ويمكنني التعامل مع المضاجعة، لكن لم يمر في ذهني قط أن رجلًا سيلمس ثدييّ، وأن الثديين لهما علاقة بكل هذا. يا إلهي، مداعبة، لم يأت أحد على ذكر المداعبة في دليلي الجنسي الصغير عن تلقيح البويضة. شعرت بدوخة، ﻷني أدركت على الفور –بنفس السذاجة التي كنت فيها منذ لحظة مضت– أن الشق الوحيد الحقيقي فيما قالته، هو الشق المتعلق باللمس والدعك والتقبيل، وليس شق النمو. وأدركت أنه لن يرغب أحد في الزواج مني، فليس لدي ثديان، ولن يصير لديّ ثديان أبدًا.

كانت ديانا راسكوب أعز صديقاتي في المدرسة، وكانت تسكن في الحي المجاور لي في منزل مليء بالعجائب، منها مثلًا حلوى المافن اﻹنجليزية. كان آل راسكوب أول أشخاص في بيفرلي هيلز يتناولون المافن اﻹنجليزي في وجبة اﻹفطار. حظوا أيضًا بشجرة مشمش في الباحة الخلفية، وصالة للعبة الريشة الطائرة، واشتراك في مجلة «Seventeen»، ومئات اﻷلعاب، مثل لعبة «آسف!» و«بارشيسي» و«البحث عن الكنز» و«ترتيب الحروف». ديانا وأنا قضينا ثلاثة أو أربعة عصاري في الأسبوع في وكرهم، نقرأ ونلعب ونأكل. امتلأ مطبخ والدة ديانا بأضخم تشكيلة تعرضت لها في حياتي من الوجبات السريعة، وامتلأ منزلي بالتفاح والخوخ والحليب وبسكويت رقائق الشوكولاتة المُعد منزليًا، وهي طيبة وجيدة بالنسبة لك، لكن لا تؤكل قبل تناول العشاء مباشرة وإلا ستفسد شهيتكِ. لم يحتو منزل ديانا على أي شيء طيب من أجلكِ، واﻷكثر من ذلك، كنت تستطيع حشو فمك حتى موعد العشاء ولن يبالِ أحد: شرائح بطاطس بنكهة المشويات (أول ما يُستهل به أيضًا)، قَنانِي ضخمة من مزر الزنجبيل، فشار طازج بالزبدة الذائبة، صوص الفودج الساخن على آيس كريم باسكن-روبنز جاموكا، حلوي دونات بالسكر البودرة من فان دي كامبس. ديانا وأنا كنا أعز صديقتين منذ كنا في السابعة، كنا على قدم المساواة في الشعبية في المدرسة (لنقل: شعبية ضئيلة)، وصادفنا نفس درجة النجاح مع الصبية (نجاح متقطع جدًا)، وبدا علينا التشابه الكبير: داكنتي البشرة، وطويلتين، وهزيلتين.

حل شهر سبتمبر، وقبل بدء الدراسة مباشرة. كنت في سن الحادية عشر، وعلى وشك بدء الصف السابع، وديانا وأنا لم تر إحدانا اﻷخرى طيلة الصيف. أنا كنت في معسكر، وهي في مكان ما مثل بلدة بانف مع والديها. كنا سنلتقي كعادتنا في منتصف الطريق بين منزلينا، وبعدها سنغدو عائدين إلى منزل ديانا، ونتناول الوجبات السريعة، ونتحدث عما حدث لكلتانا في ذلك الصيف. كنت أسير في طريق وَلْدن ببناطيلي الجينز، وقميص والدي المتدلي، وفردتي حذائي اﻷحمر القديم بلا كعب، والجوربين متساقطين داخلهما، وفي اتجاهي جاءت.. أخذت نفسًا عميقًا.. امرأة شابة. ديانا. شعرها معقوص، وصارت تملك خصرًا وفخذين وصدر، وارتدت تنورة مستقيمة، وهي نوع من الملابس قيل لي مرارًا وتكرارًا إني لن أرتديه حتى يصير لديّ فخذان يستطيعان مسكه. سقط فكي، وفجأة بكيت، بكاء هستيري، لم أستطع التقاط أنفاسي في أثناء نشيجي. خانتني أعز صديقاتي، مضت قُدمًا من دوني وفعلتها، تدملك جسدها.

إليكِ بعض أشياء فعلتها لتساعدني:

اشتريت جهاز مارك إيدن لتكبير الثدي.

نمت على ظهري ﻷربع سنوات.

رششت الماء البارد عليهما كل ليلة، ﻷن ممثلة فرنسية قالت في مجلة «لايف» أن هذا ما فعلته من أجل محيط صدرها المثالي.

في النهاية، استسلمت لكون ثديي نتيجة قُرعة سيئة، وبدأت أرتدي حمالات صدر مُبطنة. أفكر فيها اﻵن، أفكر في كل هذه السنوات في المدرسة الثانوية حين تمشيت في اﻷرجاء مرتدية إياها، حمالات صدري الثلاث، وفي كل مرة أغيرها، أغير المقاس: أسبوع مع ثديين أنيقين دون مغالاة في الاقتحام، وفي اﻷسبوع التالي ثديان متوسطا الحجم ومدببان بعض الشيء، واﻷسبوع الذي يليه ثديان كبيران، كبيران على حق. طوال الوقت مع أي مقاس أرتديه، أحمل على صدري زوائد مطاطية اصطدم بها في جدار من آن ﻵخر، فتنبعج إلى الداخل ويتعين علي ردها إلى الخارج. أفكر في كل هذا وأتساءل كيف يمكن ﻷحد أن يحافظ على ملامح حيادية لوجهه عند رؤية كل هذا؟ لماذا لم يقل والداي –اللذان يضايقاني بطبيعتهما دون حدود– أي شيء وهما يشاهدان ثدياي يعلوان ويهبطان؟ ولماذا لم تشور عليّ صديقاتي اللاتي يتفحصن ثدييّ بشكل دوري بحثًا عن أي بوادر نمو ويطمئنني بضرورة مراعاة الاتساق؟

وثياب السباحة، أموت حين أفكر في ثياب السباحة، كان يمكنكِ وقتئذ ارتداء ثوب سباحة غير اعتيادي على الشاطيء فيبدي رجلًا الاهتمام بكِ. كنت أرتدي ثوبًا، بذلة بحر سخيفة معززة بصدرية ضخمة. هيكل البذلة يطعنني في القفص الصدري، مُخلفًا كدمات حمراء صغيرة، ثم ها أنا ذا، ينحدر صدري مستقيمًا إلى الأسفل من عظام الترقوة إلى أول بذلة السباحة، ومن بعدها فجأة، واااام، تندفع كل الحواشي واللوازم والرفائع إلى الأمام بصورة عمودية.

كان باستر كليبر أول ولد يلمسهما على اﻹطلاق، كان حبيبي في سنتي النهائية في المدرسة الثانوية، توجد له صورة في الكتاب السنوي لمدرستي الثانوية تجعله جذابًا حسب النهج اليهودي مع النظارات المصنوعة من قرون الحيوانات، لكن الصورة لا تُبين البثور التي أخفيت بلا أثر، أو الغباء. طيب، هذا ليس عادلًا في الواقع، فهو لم يكن غبيًا، لكنه لم يكن فائق الذكاء. رفضت أمه تقبل ذلك، ورفضت بلا هوادة تقبل بطاقات العلامات الدراسية المتوسطة، ورفضت التعامل مع مصير ابنها المحتوم في معهد دراسي أو مكان آخر. كانت تقول لي دون سبب مفهوم: «أجريت له الاختبار، ونتج عن هذا معدل ذكاء 145، أقرب ما يكون لعبقري»، وإذا كانت كلمة «غير مُتحقق» (underachiever) معروفة آنذاك، ربما كانت ستقذف إليّ بتلك الكلمة أيضًا. على أي حال، كان باستر في الحقيقة ولدًا لطيفًا جدًا، وهو ما أعلم أنه بمثابة إصدار حكم عليه من خلال مديح باهت، لكن هكذا كان الحال. كنت محررة الصفحة اﻷولى في جريدة المدرسة الثانوية، وكان هو محرر الصفحة اﻷخيرة، وتحتم علينا العمل معًا، جنبًا إلى جنب، في المطبعة، وهكذا بدأ اﻷمر. في موعدنا الغرامي اﻷول، توجهنا لمشاهدة فيلم حب أبريلي من بطولة بات بون، ثم بدأنا الخروج معًا. لدى باستر سيارة كوبيه خضراء، فورد موديل 1950 ذات محرك طُلي بالكروم حتى لمع وتألق وعكس صورة أي شخص ينظر إليه، والذي كان في العادة باستر وهو يلمعه، أو عمال محطة البنزين الذين يطلب منهم باستمرار فحص الزيت حتى تغمرهم لمعة الصمامات. كان للسيارة أيضًا صندوق يمتد فوق المقعد الخلفي ﻷسباب لم أفهمها أبدًا، وتتدلى من مرآة الرؤية الخلفية –كما جرت العادة– زوجان من النرد المصنوع من شعر اﻷنجورا، صنعتهما له حبيبة سابقة تُدعى سولانج، والتي كانت مشهورة في مدرسة بيفرلي هيلز الثانوية بسبب عدم وجود صبغة لونية في حاجب عينها اليمنى. باستر وأنا كنا نتجول بالسيارة في أرجاء البلدة، وكلانا جالسان على يسار عجلة القيادة. كنت أبدل السرعات. كان هذا لطيفًا.

كنا نتبادل القبلات، وكانت قبلات عذبة، في السيارة في بدء اﻷمر، ونحن مطلين على مدينة لوس أنجلوس من الموقع الحالي لعقارات تروسديل، وبعدها في الفراش في كوخ والديه عند أوشن هاوس، تقبيل فائق العذوبة ومخيب للآمال، أحببت هذا حقًا، لكننا لم نتخط حاجز التقبيل، أرجوك لا، أرجوك، وذلك ﻷني كنت مرعوبة بالتأكيد من العواقب الشاملة لاتخاذ خطوة إضافية مع فتى شبه أحمق، ومرعوبة من اكتشافه عدم وجود شيء في هذا الموضع من جسدي (وكان يعرف بالطبع، فهو ليس بهذه الدرجة من الحماقة).

انفصلت عنه في لحظة ما، وأظن أننا تباعدنا لحوالي أسبوعين. في نهاية هذا الفترة، توجهت بالسيارة لمقابلة صديق في مدرسة داخلية في مدينة بالوس فيرديس إستاتيس، حيث شغل منسق اﻷغاني في محطة اﻹذاعة أغنية حب أبريلي أربع مرات على مدار رحلة السيارة، ورأيت في هذا إشارة، فعدت مباشرة إلى منتزه جريفيث، حيث تُعقد بطولة للجولف يشارك فيها باستر (كان لاعب الجولف المُراهق المصنف رقم 6 على مستوى جنوب كاليفورنيا)، ومثلت أمامه عند خُضرة الحفرة الثامنة عشر، كان اﻷمر برمته شديد الدرامية، توجهنا في تلك الليلة إلى سينما للسيارات، وتركته يمد يده على منحنيات جسدي وعلى ثدييّ، وبدا أنه لا مشكلة لديه على اﻹطلاق.

سألتني السيدة: «أتريدين الزواج من ابني؟»

قلت: «نعم».

كنت في سن التاسعة عشر، وعذراء، وأخرج مع ابن هذه السيدة، تلك السيدة الغريبة ضخمة الجثة والمتزوجة من قس لوثري في نيو هامبشاير، متصنعة الرقة التي أنجبت هذا الابن من زوجها اﻷول، ذلك الفتى بالغ الحماقة الذي تولى إدارة عربة الساندويتشات في كُلية هارفارد للأعمال، والذي قلت ذات لحظة في ديسمبر في نيو هامبشير –بدافع من اﻷدب ليس إلا– إنني أردت أن أتزوجه.

قالت: «حسنًا، واﻵن، إليكِ ما ستفعلينه، تأكدي على الدوام أن تعتليه في الفراش حتى لا يبدوان شديدي الصغر، كما ترين، فثدياي بالغا الضخامة، لذا أرقد على ظهري دومًا كي يبدوان أصغر في الحجم، لكن عليكِ أن تعتليه أغلب الوقت».

أومأت برأسي وقلت: «شكرًا لكِ».

واصلت حديثها: «لديّ كتاب لك كي تقرئيه، خذيه معك حين تغادرين، أبقيه معكِ»، توجهت إلى رف الكتب، ووجدته، وأعطتني إياه، كان كتابًا عن البرود الجنسي.

قلت: «شكرًا».

هذه قصة حقيقية، كل شيء ورد في هذه المقالة حدث بالفعل، ولكن ينبغي عليّ اﻹشارة أن هذه الواقعة بالتحديد واقعة حقيقية، حدثت في الثلاثين من ديسمبر من العام 1960، دائمًا أفكر فيها، حين وقعت هذه الواقعة للوهلة اﻷولى، افترضت بشكل تلقائي أن ابن هذه المرأة، حبيبي، هو المسؤول عما حدث. ابتدعت تصورًا خاض فيه حديثًا قصيرًا من القلب للقلب مع أمه، معترفًا لها أن نقطة اعتراضه الوحيدة أن ثدييّ صغيران، وبعدها حملت أمه على عاتقها مساعدته، حاليًا أظن أني كنت مخطئة بخصوص الواقعة. كانت اﻷم تتصرف من تلقاء نفسها، أظنها كانت تلك طريقتها في إظهار القسوة والتنافسية تحت ستار من تقديم المساعدة وإظهار الحس اﻷمومي، كأنها تقول: لديكِ ثديان صغيران، إذن فلن تسعديه مثلما أسعده، أو: لديكِ ثديان صغيران، إذن فأنتِ تعانين من مشاكل جنسية بلا ريب، أو: لديكِ ثديان صغيران، إذن فأنت امرأة أدنى درجة مني، وحدث أنها كانت فقط السيدة اﻷولى فيما بدا لي سلسالًا لا ينتهي من السيدات اللاتي أبدينَ تلميحات منافسة لي بخصوص حجم الثديين. تقول لي صديقتي إيميلي: «أود ارتداء فستان كهذا، لكن صدري كبير جدًا» وهكذا أشياء. لماذا تقول لي النساء عبارات كهذه؟ هل أجتذب إليّ هذه التلميحات مثلما تجتذب السيدات اﻷخريات الرجال المتزوجين أو مدمني الكحول أو المثليين؟ في هذا الصيف على سبيل المثال، كنت في حفلة في إيست هامبتون، وقدمني شخص ما إلى امرأة من واشنطن، كانت مشهورة بعض الشيء، شديدة الجمال وجنوبية وشقراء وصريحة في كلامها، وأنا أشعر باﻹطراء ﻷنها قرأت شيئًا ما كتبته، نتحدث بحيوية، وكنا نتحدث لفترة لم تتجاوز الخمس دقائق، وحينها يأتي رجل لينضم إلينا. تقول المرأة للرجل في إشارة إليّ وإليها: «انظر إلينا، لو جمعتنا معًا فلن نملأ حمالة صدر مقاس A». لماذا قالت ما قالته؟ هذا ليس حقيقيًا حتى، اللعنة، إذن لماذا؟ هل هي لا تقدر على التفكير بعقل صافٍ أكثر مني حيال هذه المسألة؟ هل تظن بأمانة أن هناك خطبًا ما في مقاس ثدييها؟ واللذان يبدوان متناسقين فحسب وأنا أحدق إليهما اﻵن كما يبدوان لي؟ هل أثير التنافس داخل النساء بشكل لا واعٍ؟ بهذه الطريقة؟ ماذا فعلت كي أستحق هذا؟

وبالنسبة للرجال..

هناك رجال مانعوا وعرّفوني بممانعتهم، وهناك رجال لم يمانعوا، وفي كل الحالات كنت أمانع أنا.

وحتى في الوقت الحالي، ومع اطمئناني لمرات غير معدودة على اتساق جسدي، وبعدما صرت ناضجة بما فيه الكفاية ﻷعي أن أغلب أحاسيسي واهنة الصلة بحقيقة قوامي، فما زلت مع ذلك مهووسة باﻷثداء، ولا أستطيع مقاومة الفكرة، فقد ترعرعت في حقبة الخمسينيات المروعة، مع أدوار جنسية نمطية ومقولبة، واﻹصرار على أن يكون الرجال رجالًا ويرتدون مثل الرجال، والنساء نساء ويرتدون مثل النساء، وعدم التسامح مع تجاوز تلك الثنائية، ولا يسعني تخطي هذا اﻹحساس، ولا تخطي إحساسي بعدم اﻷهلية. حسنًا، لقد ولى هذا الزمن، أليس كذلك؟ ولت كل هذه اﻷمثلة المُغالية على تقديس الأثداء، أليس كذلك؟ وأن أولئك النسوة كنّ مسوخًا، أهذا صحيح؟ أدرك كل هذا، ومع ذلك، ها أنا ذا، عالقة مع الرواسب النفسية لكل ما جرى، وعالقة مع طريقتي غير المعهودة في تقديس اﻷثداء. تظن حتمًا أني مجنونة في استمراري على هذا النهج، ها أنا ذا عازمة على كتابة اعتراف قُصد به أن يخبطك بصدمة الاكتشاف، وبدلًا من هذا فأنت جالس هناك تفكر في أنني مختلة تمامًا. طيب، ماذا يسعني أن أخبرك؟ لو كانا موجودين لديّ، ﻷمسيت شخصًا مختلفًا، أومن صدقًا بهذا.

بعد خضوعي للعلاج، وهو ما مكنني أن أخبر أشخاص غرباء في حفلات الكوكتيل أن اﻷثداء عقدة حياتي، قيل لي على الدوام إني حتمًا مخبولة حتى أشغل بالي بحالتي، وقيل لي دائمًا من أصدقاء مقربين أني بت شديدة اﻹملال في طرح هذه المسألة، كما أن صديقاتي ذوات اﻷثداء الكبيرة الجميلة يواصلن الحديث بلا نهاية عن أن حياتهن أبأس مني بمراحل، حيث يشد زملاؤهم حمالات صدورهن داخل الفصل، ولا يستطعن النوم على بطونهن، ويُحدق الفتية إليهن وقتما ترد كلمة «جبل» في حصة الجغرافيا، أما قصيدة إيفانجلين، فيا إلهي الرحيم على ما مروا به في كل مرة اضطر فيها شخص ما للوقوف كي يتلو افتتاحية قصيدة إيفانجلين للشاعر لونجفيلو: «يقفون مثل الدرويديين القدامى [...] بلحى تسترخي على صدورهم»، أخبروني أن اﻷمر كان أسوأ بالنسبة إليهن، وكان وقتًا عصيبًا عليهن حسبما طمأنوني بكلامهم، وقلن لي إني لا أدرك كم أنا محظوظة.

فكرت في تعليقاتهن، وحاولت أن أضع نفسي مكانهن، وأن أدرك وجهة نظرهن. أظن أن حديثهن لغو فارغ.


الترجمة خاصة بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا ما تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.