«الكراهية والخوف: صلاتان»

نصان لـروبرت وتشارلز كرامب

ترجمة: محمود راضي

روبرت كرامب (1943- ): كاتب ورسام كوميكس أمريكي، من أبرز اﻷسماء التي شكلت أعمدة الثقافة المضادة في الولايات المتحدة اﻷمريكية في الستينيات، ومن أهم فناني الكوميكس المستقلين وأكثرهم جرأة وإثارة للجدل. من أبرز ما قدم للكوميكس  Zap Comix وWeirdo وFritz The Cat وMr. Natural، كما اقتبس سفر التكوين من الكتاب المقدس في عملٍ مصور. صُنِع عنه في عام 1994 فيلم وثائقي شهير بعنوان Crumb، فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان صاندانس. يعيش مع زوجته فنانة الكوميكس إلين كومينسكي-كرامب في قرية بجنوب شرق فرنسا منذ عام 1991.

تشارلز كرامب (1942- 1992): الشقيق اﻷكبر لروبرت كرامب، وظهر في العديد من القصص المصورة التي أبدعها كرامب وكتبها عن حياته الشخصية. كما مارس الرسم أيضًا، وعُرِضتْ بعضُ أعماله بعد عرض الفيلم الوثائقي Crumb. عانى لسنوات طويلة من الاكتئاب، ومات منتحرًا في عام 1992 بجرعة زائدة من أدويته. أُهدِى فيلم Crumb إلى روحه بعد وفاته.

الترجمة خاصة بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.


روبرت كرامب، عن comic scholar

«صلاة الكراهية» - روبرت كرامب

* نُشر هذا النص ضمن كتاب The R. Crumb Handbook لروبرت كرامب وبيتر بوبلاسكي.

روبرت كرامب

أنا إنسان سلبي، كنت هكذا على الدوام. هل وُلِدتُ على هذا النحو؟ لا أعرف. أشعر بالقرف والفزع والخوف من الواقع باستمرارٍ، أتعلَّقُ في يأس ببعض اﻷشياء القليلة التي تمنحني العزاء، وتُشعِرني شعورًا طيبًا.

أكرهُ غالبيةَ البشر، رغم أني ربما أكون محبًا لأفراد بعينهم، فالبشرية في عمومها تملؤني احتقارًا ويأسًا. أكرهُ أغلبَ ما مر على الحضارة. أكرهُ العالمَ المعاصر لسبب واحد؛ أنه مأهول جدًا بالكثير من البشر الملاعين. أكرهُ القطعانَ والحشودَ في مُدُنِهم الشاسعة، بسياراتهم الكريهة، وضوضائهم، وذهابهم وإيابهم المستمر دون معنى. أكرهُ السيارات. أكرهُ العمارةَ الحديثة. يجب هدم أي بناية بُنِيتْ بعد عام 1955.

احتقرُ الموسيقى الرائجة المعاصرة، تعجز الكلماتُ عن التعبير عن مدى ضغطها على أعصابي، عن إلحاحها المزيف المُدَعي المتعجرف. أكرهُ مجالَ اﻷعمال والاضطرارَ إلى التعامل مع المال. المال من أبغض اختراعات الجنس البشري. أكرهُ الثقافةَ الاستهلاكية التي يُباع فيها كل شيء ويُشتَرى. لم يُترَك حجرٌ دون قَلْبِه على وجهه. أكرهُ وسائلَ اﻹعلام وكيفية امتصاصها البشر نحوها دون إرادة منهم.

أكرهُ اضطراري إلى الاستيقاظ في الصباح ومجابهةَ يومٍ آخر من هذا الجنون. أكرهُ الاضطرارَ إلى تناول الطعام والتغوُّط والحفاظ على الجسم. أكرهُ جسمي، ويرعبني التفكيرُ في وظائفي الداخلية واﻷعضاء وعملية الهضم والمخ والجهاز العصبي.

الطبيعةُ قبيحة، ليست جميلة ولا محبوبة. مبدأها «اقتل أو تُقتَل». أحوالُها شديدةُ الخطورة. عالمُ الطبيعة مأهولٌ بمخلوقاتٍ وقوى مخيفة وقاتلة. أكرهُ الطريقةَ التي تعمل بها الطبيعة برمتها. الجنس بحد ذاته كريهٌ ومرعب. يلج الذكرُ اﻷنثى، ويُدْخِل قضيبَه في مهبلها، فتصير حبلى، وينمو في أحشائها كائنٌ آخر، ومن ثم عليها المرور بابتلاءٍ أليم وقتما يندفع الكائنُ الجديد خارجها، لتتكرر العملية بأكملها في موعدها. ماذا يمكن أن يكون منفرًا في الوجود أكثر من اﻹنجاب؟

كم أكرهُ طقوسَ المُغَازَلة! كنتُ على الدوام مشمئزًا من حافزي الجنسي، والذي لم يتركني لحال سبيلي في شبابي. قادتْني باستمرارٍ رغباتٌ مُحبَطة لاقتراف أمور عجيبة وغير مقبولة في حق النساء ومعهن. كانت روحي في صراعٍ دائم حيال ذلك. لم أفلحُ قط في إيجاد حل. التقدم في السن هو الراحة الوحيدة.

أكرهُ طريقةَ عمل النفس البشرية، والطريقة التي نُصْدَم بها ونُدْمَغ بغباءٍ في بواكير طفولتنا، واضطرارنا إلى إنفاق بقية حياتنا في محاولة تخطي رواسخ عقلية من الطفولة، ولن يفلح مسعانا في هذا أبدًا.

أكرهُ الديانات النظامية. أكرهُ الحكومات، كلها عبارة عن كثير من ألعاب النفوذ التي يمارسها أناسٌ مدفوعون بالطموح، وتُفرَض على الضعفاء والفقراء واﻷطفال. أغلب البشر متنمرون. البالغون يضايقون اﻷطفال، واﻷطفال اﻷكبر سنًا يضايقون اﻷطفال اﻷصغر. الرجالُ يتنمرون على النساء، واﻷثرياءُ يتنمرون على الفقراء. البشرُ يحبون الهيمنة.

أكرهُ طريقةَ تقديس البشر للسلطة، إنها واحدة من أكثر الخصال البشرية إثارةً للاشمئزاز. أكرهُ النزوعَ البشري نحو الانتقام والثأر. أكرهُ الطريقةَ التي يحاول بها البشر باستمرار خداع وتضليل بعضهم بعضًا، والاحتيال والغش والحصول على امتيازات غير عادلة من اﻷبرياء والسُذَّجِ والجَهَلة.

أكرهُ المحاوراتَ الخاوية والمزيفة والتافهة التي تجري بين البشر. أشعرُ أحيانًا بالاختناق، وأرغبُ في الفرار منها.

بالنسبة إليَّ، فإن كوني بشرًا هو كراهية ما أنا عليه في الغالب. حينما ألحظ أنني واحد منهم، أرغب في الصراخ من الرعب.

«الجحيم هو اﻵخرون» - جان بول سارتر.

«الجحيم هو ذات نفسك أيضًا» - ر. كرامب.


«صلاة الخوف» - تشارلز كرامب

* نُشرت هذه الرسالة ضمن كتاب The R. Crumb Handbook لروبرت كرامب وبيتر بوبلاسكي، وهي رسالة بعثها تشارلز كرامب إلى شقيقه اﻷصغر روبرت كرامب في فبراير 1989.

تشارلز كرامب، عن simonking

من الخطأ على اﻵباء أن يؤثروا في أبنائهم عن طريق الخوف. عليهم التأثير فيهم بالحب بدلًا من التأثير فيهم بالرعب. قال جوردون ليدي ذات مرة على شاشة التلفزيون إنه كان خائفًا من كل شيء حين كان طفلًا صغيرًا! وهو ما يمكن أن يقال عني أيضًا. حين كنت صبيًا صغيرًا، خفتُ من كل شيء: خفتُ من المعلمين. خفتُ من الراهبات. خفتُ من القساوسة. خفتُ من الكنائس. خفتُ من غرفة الاعتراف. خفتُ من التماثيل والصلبان في الكنائس. خفتُ من النيجرو واليهود والمكسيكيين. خفتُ من اﻷفلام. خفتُ من الظلام. خفتُ من الحشرات والثعابين. خفتُ من العناكب. خفتُ من الكلاب واﻷحصنة (أخاف من الحيوانات كافة). خفتُ من السيارات والشاحنات (كان من أكبر مخاوفي في الطفولة أنني قد أُقْتَلُ في حادث سيارة). خفتُ من القنابل النووية والهيدروجينية (راودني الخوف على مدار فترة طفولتي بأسرها من اندلاع الحرب العالمية الثالثة في أي يوم). خفتُ من الطائرات. خفتُ من المركبات الهوائية. خفتُ من الماء. خفتُ من قناديل البحر. خفتُ من الجسور. خفتُ من الوديان. خفتُ من الغابات واﻷحراج. خفتُ من النوم (مخافة الدخول في واحدة من أحلامي المفزعة). خفتُ من الانطباع الذي قد أتركه لدى اﻵخرين. خفتُ من الفئران والجرذان والوطاويط. خفتُ من المقابر والنعوش ودور الجنازات. خفتُ من اﻷماكن العالية بما لا يقل عن خوفي من اﻷماكن الواطئة. خفتُ من الكهوف. خفتُ من اﻷقبية والعلالّي. خفتُ من المنازل وخفتُ من القطارات. خفتُ من رجال السياسة والشرطة. خفتُ من إخراج ملابسي أمام اﻵخرين. خفتُ من المستشفيات. خفتُ من اﻷطباء وأطباء اﻷسنان والممرضات. خفتُ من المجرمين والقتلة. خفتُ من الجنس. خفتُ من العفاريت. خفتُ من الرجال والسيدات العجائز. خفتُ من الرب. خفتُ من يسوع المسيح (رغم أن يسوع المسيح لم يغرس الخوف قط عن عمد في اﻷطفال، وإنما جرى استغلاله، واستُخدِم وسيطًا ليغرس الآخرون الخوف فيهم). خفتُ من الروح القُدس. خفتُ من مريم العذراء المقدسة والقديسين اﻵخرين كافة. خفتُ من الجحيم. خفتُ من الشيطان. خفتُ من المطهر. خفتُ من الفتيات. خفتُ من الصبية اﻵخرين. خفتُ منك وخفتُ من كارول. خفتُ من أمي. لكن أكثر من كنت أخاف منه في اﻷساس هو أبي العجوز! حسبما يبدو، قد تكون الأشياء التي خفت منها مجرد إسقاطات من أبي العجوز.