عشاء الكريسماس الطويل

مسرحية لثورنتون وايلدر

ترجمة: محمود راضي

الترجمة خاصة بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

* تعد مسرحية (عشاء الكريسماس الطويل) للكاتب المسرحي اﻷمريكي ثورنتون وايلدر، والتي قُدمت في العام 1931، من كلاسيات المسرح اﻷمريكي، تدور أحداثها في فصل واحد على مدار 90 عامًا حيث تتعاقب أمامنا أجيال عدة من عائلة بايارد أثناء احتفالهم السنوي بالكريسماس، وما طرأ من تغيرات وأحداث عديدة في حياة أفراد هذه العائلة على مدار هذه الفترة الطويلة.

ومن فرط نجاح المسرحية، تأثر بها المخرج اﻷمريكي أورسون ويلز في فيلمه اﻷشهر (المواطن كين) في العام 1941، حيث قدم داخل فيلمه مشهدًا شهيرًا على نفس نهج المسرحية يلخص من خلاله تسع سنوات هى عمر زيجة كين داخل أحداث الفيلم من خلال متابعة تطور نبرة الحوار اليومي على مائدة الإفطار.

* ثورنتون وايلدر (1897-1975): كاتب مسرحي وروائي أمريكي، حاز على جائزة البوليتزر ثلاث مرات، من أبرز مسرحياته: بلدتنا، هربنا بجلدنا، ومن رواياته: جسر سان لويس راي.


من أحد عروض المسرحية

شُخوص المسرحية

لوسيا

اﻷم بايارد

رودريك

القريب براندن

تشارلز وجنيفيف (أبناء رودريك ولوسيا)

الممرضة

لينورا (زوجة تشارلز)

إيمرنجارد

سام ولوسيا الثانية ورودريك الثاني (أبناء تشارلز ولينورا)


المشهد

غرفة الطعام في منزل بايارد، مائدة طويلة مُعدة بعناية خصيصًا من أجل عشاء الكريسماس، حيث وُضع سكين التقطيع أمام ديك رومي ضخم من ناحية اليمين، أما من ناحية اليسار بالضبط، عند قنطرة خشبة المسرح، توجد بوابة غريبة مُزدانة بأكاليلُ الفواكه والزهور. وأمامها مباشرة من ناحية اليمين تمامًا بوابة أخرى مزينة بمخمل أسود، ترمز البوابتان على التوالي للحياة والموت.

يوجد بوفيه على طول الجدار الخلفي من ناحية اليمين، وفي المنتصف مدفأة، ربما مع صورة رجل فوقها، وعلى اليسار باب كبير يؤدي إلى الصالة.

يوجد كرسي عند كل طرف من المائدة، وثلاث مقاعد قبالة الجدار. يجب على الكرسي عند رأس المائدة أن يكون بظهر طويل مع أذرع.


عشاء الكريسماس الطويل

[تُعطى كافة التوجيهات للممثلين من ناحيتي اليمين واليسار]

[تدخل لوسيا آتية من الصالة، تتفحص المائدة، تلمس سكينًا هنا وشوكة هناك، تتحدث إلى خادمة غير مرئية بالنسبة لنا]

لوسيا: أظن أننا مستعدون اﻵن يا جيرترود، لن نقرع اﻷجراس اليوم، سأناديهم بنفسي [تتوجه نحو الصالة مُنادية] رودريك، ماما بايارد، نحن مستعدون، تعالوا لتناول العشاء

[يدخل رودريك من الصالة، دافعًا اﻷم بايارد في كرسيها المتحرك، ويوقفه على يساره عند المائدة]

اﻷم بايارد: … وكذلك منزل جديد يا رودريك، ظننت أن هذا الماكر لديه حصانان فقط. حصان جديد ومنزل جديد وزوجة جديدة!

لوسيا: ها أنتِ يا ماما بايارد، تجلسين بيننا.

[لوسيا تربط منديلًا حول رقبة اﻷم بايارد. رودريك يجلس على الكرسي اﻷيمن، ولوسيا على الكرسي اﻷيسر عند المائدة]

رودريك: حسنًا يا أمي، ما رأيك؟ إنه أول عشاء كريسماس لنا في المنزل الجديد، ها؟

اﻷم بايارد: إنه.. إنه..! لا أعلم ما كان سيقول والدك العزيز! [رودريك يردد صلاة الشكر مهمهمًا ثم يبدأ في تقطيع الديك الرومي باﻹيحاء] عزيزتي لوسيا، ما زلت أتذكر حين كان يعيش هنود في هذه اﻷرض ذاتها، ولم أكن وقتئذ فتاة صغيرة حتى، ما زلت أتذكر حين تحتم علينا عبور المسيسبي على طوف حديث الصنع، يمكنني التذكر حينما كانت مدينتي سانت لويس وكانساس سيتي مأهولتين بالهنود.

لوسيا: تخيل ذلك! يا له من يوم جميل ﻷول عشاء كريسماس لنا: صباح مُشمس رائق، جليد، عظة مذهلة، ألقى الدكتور ماكارثي عظة مذهلة. بكيت كثيرًا.

رودريك [مادًا يده بشوكة تقطيع مُتخيلة]: حسنًا، ماذا ستأكلين يا أمي؟ شريحة بيضاء صغيرة. [يقدم الديك الرومي خلال الخُطب التالية بمساعدة خادمة خيالية]

لوسيا: الجليد يلف كل غصن صغير، تكاد لم تر ذلك قط [من فوق كتفها]  جيرترود، نسيت حلوى الجيلي، إنه على الرف العلوي. أتعرفين يا ماما بايارد، عثرت على إناء الصلصة الخاص بوالدتك حين انتقلنا. ماذا كان اسمها يا عزيزتي؟ ماذا كانت أسماؤكم جميعًا؟ كان اسمك..آ.. جنيفيف واينرايت، أما والدتك..

اﻷم بايارد [أثناء تناولهم الطعام]: نعم، عليكِ تدوين ذلك في موضع ما. كان اسمي جينفيف واينرايت، وأمي فيث موريسون. كانت ابنة مُزارع في نيو هامبشاير عمل أيضًا حدادًا تقريبًا. وتزوجت الشاب جون واينرايت.

لوسيا [تستذكر على أصابعها]: جنيفيف واينرايت. فيث موريسون.

رودريك: كانت مسجلة جميعها في سجل في مكان ما باﻷعلى. لدينا إياها جميعًا. كل هذه اﻷشياء مثيرة جدًا. هيا يا لوسيا، تناولي القليل من النبيذ. أمي، تناولي بعض النبيذ اﻷحمر ﻷجل ليلة الكريسماس. إنه غني بالحديد. «اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ».

لوسيا: صدقًا لا استطيع الاعتياد على النبيذ! ماذا كان سيقول أبي؟ لكني أظن أن هذا لا غبار عليه

[يدخل القريب براندن من الصالة، يسحب كرسيًا ويجلس بمحاذاة لوسيا]

القريب براندن [فاركًا يديه]: مرحى مرحى، أشم رائحة الديك الرومي. أقاربي اﻷعزاء، لا يسعني إخباركم عن مدى امتناني لتناولي عشاء الكريسماس في صحبتكم أجمعين. عشت في ألاسكا لفترة طويلة جدًا دون أقارب هناك. دعوني أر، كم لبثتم في هذا المنزل الجديد يا رودريك؟

رودريك: لماذا، حتمًا لفترة..

اﻷم بايارد: خمس سنوات. لبثتم خمس سنوات يا أبنائي. عليكم الاحتفاظ بمفكرة. هذا عشاء الكريسماس السادس لكم هنا.

لوسيا: فكر في ذلك يا رودريك، نشعر كما لو عشنا عشرين عامًا هنا.

القريب براندن: يبدو جيدًا في كل اﻷحوال، كأنه جديد.

رودريك [ممسكًا سكين التقطيع]: فيم ترغب يا براندن؟ شريحة داكنة أم فاتحة؟ فريدا، املئي كأس القريب براندن.

لوسيا: آه يا عزيزي، لا أستطيع الاعتياد على صنوف النبيذ هذه، لا أعلم ماذا كان سيقول أبي، أنا متأكدة، فيم ترغبين يا ماما بايارد؟

اﻷم بايارد: نعم، أتذكر حين كان يعيش هنود على هذه اﻷرض ذاتها.

لوسيا [بصوت خفيض]: لم تكن ماما بايارد على ما يرام مؤخرًا يا رودريك.

[يبدأ كرسي اﻷم بايارد في الحركة دون دفع ظاهر بعيدًا عن المائدة، متوجهًا ناحية اليمين، ومتحركًا ببطء نحو البوابة المظلمة]

اﻷم بايارد: فيث موريسون كانت أمي، وفي نيو هامبشاير تزوجت الشاب جون واينرايت الذي كان قسًا أبرشانيًا، وقد رآها ذات يوم في أبرشيته…

لوسيا [تقوم آتية نحو منتصف خشبة المسرح]: ماما بايارد، أليس من اﻷفضل أن تستلقي يا عزيزتي؟

اﻷم بايارد: … وفي منتصف عظته، قال لنفسه: «سأتزوج هذه الفتاة»، وقد كان، وأنا ابنتهما.

[رودريك يقوم من مقعده ويستدير لليمين وهو مهموم]

لوسيا [ناظرة إليها في قلق]: قيلولة قصيرة يا عزيزتي؟

اﻷم بايارد: أنا بخير. أكملوا تناول طعامكم [تخرج ناحية اليمين] كنت في العاشرة من عمري، وقلت لشقيقي…

[وقفة قصيرة جدًا، حيث يجلس رودريك وتعود لوسيا إلى مقعدها ويواصل ثلاثتهم تناول الطعام]

القريب براندن [بحرارة]: كم هو سيء برودة وظُلمة هذا اليوم، نحن في حاجة لمصابيح حسبما أرى. تحدثت لهنيهة إلى الرائد لويس بعد الكنيسة. يزعجه عرق النسا، لكنه على ما يرام.

لوسيا [تمسح عينيها]: أعلم أن ماما بايارد لا تود أن نحزن عليها في الكريسماس، لكنني لا أستطيع نسيانها وهي جالسة على كرسيها المتحرك بجوارنا منذ عام مضى. كانت ستصير شديدة الفخر بأخبارنا السعيدة.

رودريك: اﻵن اﻵن، حل الكريسماس [بنبرة رسمية] أيها القريب براندن، سأشرب كأس من النبيذ معك يا سيدي.

القريب براندن [يقوم نصف قومة، رافعًا كأسه بتأدب]: كأس من النبيذ معك يا سيدي.

لوسيا: هل عرّق النسا المصاب به الرائد يؤلمه كثيرًا؟

القريب براندن: ربما أحيانًا، لكنك تعرفين طريقته، يقول إنه سيصير اﻷمر ذاته لمائة عام.

لوسيا: نعم، إنه فيلسوف عظيم.

رودريك: زوجته تبعث إليكِ ألف شكر على هدية الكريسماس.

لوسيا: نسيت بماذا أهديتها، آه نعم، صندوق أدوات الحياكة! [وقفة قصيرة، يتطلع الشُخوص ناحية البوابة اليسرى، ومن بوابة الميلاد تأتي ممرضة حاملة بين ذراعيها طفلًا خياليًا، تسارع لوسيا نحوه، ويتبعها الرجال] آه يا طفلي الحبيب! من رأى منكم طفلًا كهذا! قولي بسرعة أيتها الممرضة، أصبي هو أم فتاة؟ صبي! رودريك، ماذا يجب أن نسميه؟

رودريك: سنسميه تشارلز، تيمنًا بوالدك وجدك.

لوسيا: لكن لا وجود لتشارلز في الكتاب المقدس يا رودريك.

رودريك: بالتأكيد موجود، حتمًا موجود.

لوسيا: رودريك! حسنًا إذن، لكنه في رأيي سيكون دائمًا صموئيل.

القريب براندن: حقًا أيتها الممرضة، لم تري طفلًا كهذا قط.

[تظهر الممرضة على خشبة المسرح عند الباب اﻷوسط]

لوسيا: لديه يدان جميلتان! إنهما حقًا أجمل يدين في العالم. حسنًا أيتها الممرضة. احظ بقيلولة طيبة يا طفلي العزيز.

[تخرج الممرضة إلى الصالة، ولوسيا والقريب براندن يجلسان]

رودريك [مناديًا من الباب اﻷوسط]: لا توقعيه أيتها الممرضة، فأنا وبراندن في حاجة إليه في شركتنا [يعود إلى كرسيه ويشرع في التقطيع] لوسيا، أتريدين بعض اللحم اﻷبيض؟ أو بعض الحشو؟ صلصة التوت البري؟ أيرغب أحدكم في شيء؟

لوسيا [من فوق كتفها]: مارجريت، الحشو طيب جدًا اليوم. أعطني القليل، شكرًا لك.

رودريك: واﻵن شراب كي تبلع [يقوم نصف قومة] قريبي براندن، سأشرب كأس من النبيذ معك، وليبارككنّ الرب يا سيدات.

لوسيا: شكرًا لكم يا سادتي الكرام.

القريب براندن: وآسفاه على هذا اليوم الغائم، ومن دون جليد.

لوسيا: لكن العظة كانت رائعة. بكيت كثيرًا. ألقى الدكتور سبولدنج عظة هائلة.

رودريك: رأيت لهنيهة الرائد لويس بعد الكنيسة، يقول إن الروماتيزم لديه يجيء ويروح، تقول زوجته إنها لديها شيء ما ﻷجل تشارلز ستحضره معها بعد الظهر.

[يستديرون مجددًا نحو البوابة اليسرى، تدخل الممرضة مثل المرة السابقة، تسارع لوسيا إليها. يأتي رودريك إلى منتصف خشبة المسرح تحت المائدة، والقريب براندن لا يقوم من مقعده]

لوسيا: آه يا طفلتي الجديدة الجميلة، لم يخطر ببالي حقًا أنها قد تكون فتاة، لِم أيتها الممرضة؟ إنها مثالية.

رودريك: واﻵن سميها كما تشائين، حان دورك.

لوسيا: لوولوولوولوو. آيي آيي. نعم هذه المرة سيؤول اﻷمر لي. سيكون اسمها جنيفيف تيمنًا بوالدتك. احظيّ بقيلولة طيبة يا كنزي [تغادر الممرضة إلى الصالة] تخيل، في وقت ما ستكبر وتقول: «صباح الخير يا أمي، صباح الخير يا أبي». أنت لا تجد طفلًا كهذا كل يوم حقًا أيها القريب براندن.

[يعودون إلى مقاعدهم ويبدأون مجددًا تناول طعامهم، ورودريك يقطع كما سبق وهو واقف]

القريب براندن: والمصنع الجديد.

لوسيا: مصنع جديد؟ أحقًا؟ رودريك، لن أستريح لو اتضح أننا أثرياء. مع ذلك، لا ينبغي أن نتحدث عن أشياء كهذه في يوم الكريسماس. سأتناول قطعة صغيرة من اللحم اﻷبيض، شكرًا لك. رودريك، تشارلز مُقدر له أن يصير قسًا، أنا متأكدة من ذلك.

رودريك: يا امرأة، إنه في الحادية عشرة من عمره فحسب، دعيه يحظى بعقل حر. نريده معنا في الشركة، ولا أمانع في قول هذا [يجلس، ويتضح تقدمه في السن] على أي حال، الوقت لا يمر ببطء هكذا بينما تنتظرين أبناءك يكبرون ويستقرون في العمل.

لوسيا: لا أريد للوقت أن يمر أسرع من ذلك، شكرًا لك. أحب اﻷطفال على ما هم عليه. رودريك، تعرف ما قاله الطبيب، كأس واحدة مع الوجبة. لا يا مارجريت، هذا كل شيء.

رودريك [حاملًا كاس في يده]: واﻵن أتساءل ما خطبي. 

لوسيا: رودريك، تعقل.

رودريك [ينهض ويتخذ بضع خطوات جهة اليمين مع سخرية جسورة]: لكن يا عزيزتي، تشير اﻹحصائيات أننا معاقرو شراب معتدلين ومتزنين.

لوسيا [تنهض مسرعة إلى منتصف المائدة]: حبيبي! ما الذي...؟

رودريك [يعود إلى كرسيه مع نظرة ارتياح مروعة، حيث صار اﻵن أكبر سنًا]: شيء جميل أن أعود للمائدة معكِ ثانية [لوسيا تعود إلى كرسيها] كم عشاء كريسماس لذيذ فوته على نفسي بتواجدي في اﻷعلى، وها أنا عائد مع عشاء مبهج أيضًا.

لوسيا: عزيزي، أدخلتنا في فترة عصيبة! إليك كوبك من الحليب. جوزفين، أحضري للسيد بايارد دواءه من الخزانة الصغيرة في المكتبة.

رودريك: في كل اﻷحوال، وبما أني تحسنت اﻵن، عليّ فعل شيء ما حيال المنزل.

لوسيا: رودريك! لا تقل إنك ستغير المنزل؟

رودريك: بعض اللمسات فقط هنا وهناك، يبدو كأنه بلغ 100 عام.

[تشارلز يدخل بالصدفة من الصالة]

تشارلز: يا له من صباح عاصف مهول يا أمي، الرياح آتية من التل مثل ضربات المدافع [يُقبل شعر أمه].

لوسيا: تشارلز، قطع أنت الديك الرومي، والدك ليس على ما يرام.

رودريك: لكن.. لكن ليس بعد.

تشارلز: كنت تقول دومًا إنك تكره التقطيع.

[تشارلز يأتي بكرسي من عند الجدار اﻷيمن ويضعه عند الطرف اﻷيمن من المائدة حيث كانت تجلس اﻷم بايارد، يجلس رودريك، يتخذ تشارلز المكان السابق لوالده عند رأس المائدة، ويجلس تشارلز ويبدأ في التقطيع]

لوسيا [يبدو عليها الكِبَرّ]: ويا لها من عظة رائعة، بكيت كثيرًا. كانت اﻷم بايارد تحب العظة الطيبة، واعتادت على ترتيل ترانيم الكريسماس طيلة العام، آه يا عزيزي، يا عزيزي، كنت أفكر فيها طوال الصباح!

تشارلز: صه يا أمي. إنه يوم الكريسماس، لا ينبغي عليكِ التفكير في أمور كهذه، عليكِ ألا تكتئبي.

لوسيا: لكن اﻷمور المحزنة ليست كمثل اﻷمور الكئيبة. لا بد أني أكبر في السن. أنا مثلهم.

تشارلز: عمي براندن، طبقك خالٍ، مرري طبقه يا هيلدا، وكذلك صوص التوت البري.

[تدخل جنيفيف من الصالة]

جنيفيف: يا للروعة [تُقبل والدها على صدغه، وتسحب كرسيًا وتجلس في المنتصف بين والدها والقريب براندن] الجليد يلف كل غصن صغير، تكاد لم تر ذلك قط.

لوسيا: هل تسنى لكِ الوقت لتوصيل تلك الهدايا بعد الكنيسة يا جنيفيف؟

جنيفيف: نعم يا أمي، السيدة لويس العجوز تبعث إليكِ ألف شكر على هديتها. كانت مثلما أرادت بالضبط، قال لي أعطني الكثير، الكثير يا تشارلز.

رودريك: تشير اﻹحصائيات، سيداتي وسادتي، أننا معتدلون ومتزنون…

تشارلز: ما رأيك في التزلج قليلًا بعد الظهر يا أبي؟

رودريك: سأعيش حتى أبلغ التسعين. [ينهض من مقعده ويحث الخطى نحو البوابة اليمنى]

لوسيا: لا أظن أنه يجب عليك التزلج.

رودريك [واقفًا عند البوابة، في ذهول مفاجئ]: نعم، لكن… لكن… ليس بعد!

[يخرج يسارًا]

لوسيا [تمسح عينيها]: كان صغير السن جدًا، وشديد الذكاء [ترفع صوتها بسبب صمم القريب براندن] أقول إنه كان صغيرًا جدًا في السن وشديد الذكاء، لا تنسوا أباكم يا أبناء، كان رجلًا صالحًا. حسنًا، لم يكن ليرغب أن نحزن عليه اليوم.

تشارلز: شريحة بيضاء أم داكنة يا جنيفيف؟ تناولي شريحة أخرى يا أمي.

لوسيا [تغزل شالها]: يمكنني تذكر أول عشاء كريسماس لكِ في هذا المنزل يا جنيفيف، منذ خمسة وعشرين عامًا خلت، كانت اﻷم بايارد تجلس هنا على كرسيها المتحرك. كانت تتذكر حين عاش الهنود في هذه البقعة ذاتها وحين تحتم عليها عبور النهر على طوف حديث الصنع.

تشارلز: لم تكن قادرة على ذلك يا أمي.

جنيفيف: لا يمكن لهذا أن يكون صحيحًا.

لوسيا: بالتأكيد كان صحيحًا، حتى أني أستطيع تذكر حين كان يوجد شارع مرصوف واحد فقط. كنا في شدة السعادة بالسير على اﻷلواح [تردد بصوت أعلى للقريب براندن] نستطيع التذكر حين كانت لا توجد أرصفة، أليس كذلك أيها القريب براندن؟

القريب براندن [مبتهجًا]: آه نعم! ويا لها من أيام.

تشارلز وجنيفيف [يخفضان صوتهما عن عمد، وهذا من المحاذير اﻷسرية]: ويا لها من أيام.

لوسيا: وماذا عن حفلة الليلة الماضية يا جنيفيف؟ هل قضيتِ وقتًا طيبًا؟ آمل أنك لم ترقصي الفالس يا عزيزتي، أؤمن أن على الفتاة في وضعنا الاجتماعي أن تصير قدوة، هل أبقى تشارلز عينيه عليكِ؟

جنيفيف: لم يبق لديه أحد، كانوا جميعًا متحلقين حول لينورا بانينج، إنه لا يستطيع إخفاء اﻷمر بعد اﻵن يا أمي، أظن أنه عاقد العزم على الزواج من لينورا بانينج.

تشارلز: لست عازمًا على الزواج من أي فتاة.

جنيفيف: لن أتزوج أبدًا يا أمي، سأبقى معكِ في هذا المنزل بجوارك إلى اﻷبد، كما لو كانت الحياة مجرد عشاء كريسماس واحد طويل سعيد.

لوسيا: آه يا طفلتي، لا ينبغي عليكِ قول أشياء كهذه.

جنيفيف [بهزل]: أنتِ لا تريديني؟ أنتِ لا تريديني؟ [تنفجر لوسيا باكية وتقوم جنيفيف وتذهب إليها] لماذا يا أمي؟ يا لسخافتك! لا يوجد ما يُحزن في هذا، ماذا يمكن أن يُحزن في هذا؟

لوسيا [مجففة عينيها]: سامحيني، فتصرفاتي غير متوقعة، هذا كل ما في اﻷمر.

[يذهب تشارلز إلى الباب ويدخل لينورا بانينج من الصالة]

تشارلز: لينورا!

لينورا: صباح الخير يا ماما بايارد [تقوم لوسيا وتحيي لينورا قرب الباب، كما يقوم أيضًا القريب براندن] صباح الخير على الجميع. فلتجلسي بجوار تشارلز يا ماما بايارد [تساعدها للجلوس في كرسي جلس فيه رودريك قبلها، والقريب براندن يجلس في الكرسي اﻷوسط، وتجلس جنيفيف على يساره، وتجلس لينورا عند مؤخرة المائدة] يا له من عيد كريسماس مشرق.

تشارلز: أتريدين بعض اللحم اﻷبيض؟ جنيفيف، أمي، لينورا؟

لينورا: الجليد يلف كل غصن صغير،  لم تروا ذلك قط.

تشارلز [صارخًا]: عمي براندن، أتريد المزيد؟ روجرز، صب المزيد لعمي.

لوسيا [متحدثة لتشارلز]: افعل ما اعتاد والدك فعله، وسيسر القريب براندن لذلك، كما تعلم… [تتظاهر برفع كأس] «عمي براندن، كأس من النبيذ..».

تشارلز [ينهض من مقعده]: عمي براندن، سأشرب كأسًا من النبيذ معك يا سيدي.

القريب براندن [دون نهوض]: كأس من النبيذ معك يا سيدي، وإلى السيدات، فليبارككنّ الرب جميعًا.

السيدات: شكرًا لكم أيها السادة الكرام.

جنيفيف: وإذا سافرت إلى ألمانيا من أجل موسيقاي، أعدكم بالعودة من أجل الكريسماس، لن أفوته.

لوسيا: أكره التفكير في ذهابك بمفردك تمامًا هناك في هذه البنسيونات الغريبة. 

جنيفيف: لكن يا عزيزتي، سيمر الوقت بسرعة شديدة حتى أنك لن تدركي أني سافرت، سأعود في غمضة عين.

[تتطلع لينورا ناحية البوابة اليسرى، وتنهض من مقعدها، وتتخذ بضع خطوات، وتدخل ممرضة حاملة طفلًا من جهة اليسار]

لينورا: آه، يا له من ملاك! أعز طفل في العالم. دعيني أحمله أيتها الممرضة [تعبر الممرضة بحزم خشبة المسرح واﻵن تخرج من البوابة اليمنى، وتتبعها لينورا] آه، كم أحبه حبًا جمًا.

[ينهض تشارلز ويضع ذراعه حول زوجته هامسًا، ويأخذها إلى كرسيها ثانية]

جنيفيف [متحدثة إلى والدتها بينما يمر الآخران في هدوء]: ألا يوجد شيء يمكنني فعله؟

لوسيا [رافعة حاجبيها في حزن]: لا يا عزيزتي، الزمن وحده، مرور الزمن فحسب يمكنه العون في هذه اﻷمور [يعود تشارلز إلى مقعده. وقفة قصيرة]  ألا تظنون أنه علينا أن نطلب من القريبة إيمرنجارد أن تأتي وتعيش معنا؟ يوجد متسع للجميع، ولا يوجد سبب لاستمرارها في التدريس للصف اﻷول إلى أبد اﻵبدين، وهى لن تمانع، أليس كذلك يا تشارلز؟

تشارلز: لا، أظن أن اﻷمر لا غبار عليه، أيريد أحدكم المزيد من البطاطس وصلصة اللحم؟ المزيد من الديك الرومي يا أمي؟

[القريب براندن ينهض من مقعده ويتجه ببطء نحو البوابة المظلمة، لوسيا تنهض وتقف للحظة ووجهها بين يديها]

القريب براندن [متمتمًا]: كم كان رائعًا أن تكون في ألاسكا في هذه اﻷيام…

جنيفيف [تقوم نصف قيام، وتحدق إلى والدتها في خوف]: أمي، ماذا...؟

لوسيا [على عجالة]: صه يا عزيزتي، سيمر اﻷمر.. أتعرفين، تمسكي بموسيقاكِ [في أثناء تحرك جنيفيف نحوها] لا، لا، أريد أن أكون لوحدي لبضعة دقائق.

تشارلز: لو جمع الجمهوريون كل أصواتهم بدلًا من النزول بأنفسهم في تجمعات، فقد يمنعونه من الفوز بفترة رئاسية ثانية.

[تستدير لوسيا وتتحرك ناحية اليمين في أثر القريب براندن]

جنيفيف: تشارلز، أمي لا تخبرنا، لكنها ليست على ما يرام هذه اﻷيام.

تشارلز: تعالي يا أمي، سنسافر إلى فلوريدا لبضعة أسابيع. [جنيفيف تسرع وراء أمها]

[يخرج القريب براندن من اليمين]

لوسيا [واقفة عند البوابة، مبتسمة لجنيفيف وتلوح بيدها]: لا تكوني سخيفة، لا تحزني. [تُشبك يديها تحت ذقنها، وشفتيها تتحركان في همس، وتسير في استكانة عبر البوابة]

جنيفيف [محدقة إليها]: لكن ماذا سأفعل؟ ماذا بقي له لفعله؟ [تعود إلى مقعدها]

[في نفس اللحظة، تدخل الممرضة مع طفلان رضيعان من اليسار، وتسارع لينورا إليهما]

لينورا: آه يا أحبائي، توأم.. تشارلز، أليسا رائعين! انظر إليهما، انظر إليهما.

[تشارلز ينتقل ناحية اليسار]

جنيفيف [تهبط على المائدة وتدفن وجهها بين ذراعيها]: لكن ماذا سأفعل؟ ماذا تبقى لي؟

تشارلز [مائلًا فوق السلة]: فيم يختلفان؟

لينورا: أشعر كأني أول أم تنجب توأمًا، انظر إليهما اﻵن! لماذا لم يتسن للأم بايارد أن تعيش لتراهما؟

جنيفيف [تقوم فجأة في اضطراب، بصوت عالي]: لا أريد الاستمرار في العيش، لا أستطيع التحمل.

تشارلز [يذهب إليها بسرعة، يهمس إليها بجدية وهو ممسك يديها]: لكن، يا جنيفيف، يا جنيفيف، قد تشعر أمي بالرعدة من التفكير في… يا جنيفيف!

جنيفيف [بعنف]: لم أخبرها قط كم كانت رائعة، تعاملنا معها جميعًا كما لو كانت مجرد صديقة في المنزل، ظننت أنها ستبقى هنا إلى اﻷبد. [تجلس]

لينورا [مترددة]: عزيزتي جنيفيف، تعالي دقيقة واحدة وأمسكي يديّ أطفالي. [تستجمع جنيفيف شتات ذاتها، وتذهب إلى الممرضة، تبتسم للسلة ابتسامة منكسرة]

جنيفيف: إنهما جميلان يا لينورا.

لينورا: أعطيه إصبعكِ يا عزيزتي، دعيه يمسكه.

تشارلز: واﻵن سنسمى الولد تشارلز. حسنًا، تعالوا جميعًا وأكملوا عشائكم [تتخذ النساء أماكنهن، وتشارلز يصيح في الصالة] لا توقعيهما أيتها الممرضة، على اﻷقل لا توقعي الولد، فنحن نحتاجه في الشركة. [يعود إلى مكانه]

لينورا: سيكبران في يوم من اﻷيام، تخيل! سيأتيان ويقولان: «مرحبًا يا أمي!»

تشارلز [اﻵن في اﻷربعين من عمره، رجل مبجل]: هيا، بعض النبيذ؟ لينورا؟ جنيفيف؟ غني بالحديد، إدواردو، املأ كؤوس السيدات. يا له من صباح شديد البرودة على حق، اعتدت التزلج مع أبي في صباحات كهذه، وكانت أمي تعود من الكنيسة قائلة…

جنيفيف [حالمة]: أعلم، كانت تقول: «يا لها من عظة مذهلة، بكيت كثيرًا».

لينورا: لماذا تبكين يا عزيزتي؟

جنيفيف: كان أبناء هذا الجيل يبكون في أثناء العظات، كانت هذه طريقتهم.

لينورا: أحقًا يا جنيفيف؟

جنيفيف: كان عليهم الذهاب باستمرار منذ كانوا أطفالًا، أظن أن العظات تذكرهم بآبائهم وأمهاتهم، كمثل أثر عشاءات الكريسماس فينا، خاصة في منزل عتيق مثل هذا.

لينورا: إنه عتيق جدًا بالفعل يا تشارلز، وشديد القبح، خاصة مع هذه الحليات الحديد، وهذه القبة المخيفة.

جنيفيف: تشارلز! لن تبدل هذا المنزل.

تشارلز: لا لا، لن أتخلى عن هذا المنزل، لكن يا للسماوات العلى! يبلغ من السنوات خمسينًا. في هذا الربيع سنزيل القبة ونبني جناحًا جديدًا تجاه ساحات التنس.

[من اﻵن فصاعدًا، نرى جنيفيف وهى تتغير، تجلس باستقامة أكثر، كما تصلبت جوانب فمها، وصارت عانسًا محبطة وصارمة، وبات تشارلز رجل أعمال متأنق بعض الشيء]

لينورا: ثم ألم نطلب من قربيتك العزيزة إيمرنجارد أن تأتي لتعيش معنا؟ إنها حقًا شخصية خجولة؟

تشارلز: اطلبي منها اﻵن، خذيها بعيدًا عن الصف اﻷول بالمدرسة.

جنيفيف: يبدو أننا نفكر في ذلك في ليلة الكريسماس فقط حين تحدق بطاقتها للمعايدة إلى وجوهنا.

[تدخل الممرضة من جهة اليسار مع طفل]

لينورا [تقوم متجهة لليسار]: صبي آخر! صبي آخر! ها قد جاء رودريك ﻷجلك أخيرًا.

تشارلز [يتجه إلى اليسار]: رودريك براندن بايارد، مقاتل صغير محترف.

لينورا: وداعًا يا عزيزي، لا تكبر بسرعة، نعم نعم، آيي آيي آيي، ابق كما أنت، شكرًا لكِ أيتها الممرضة.

جنيفيف [والتي لم تغادر المائدة، تكرر بلهجة جافة]: ابق كما أنت فحسب.

[تخرج الممرضة إلى الصالة، تشارلز ولينورا يعودان إلى أماكنهما]

لينورا: اﻵن لدي ثلاثة أبناء، واحد اثنان ثلاثة، ولدان وبنت، إني أحصيهم، هذا مثير جدًا [من فوق كتفها] ماذا يا هيلدا؟ آه قريبتنا إيمرنجارد هنا، تعالي يا قريبتنا!

إيمرنجارد [بخجل]: من دواعي سروري أن أكون معكم جميعًا.

تشارلز [يسحب الكرسي اﻷوسط ﻷجلها]: لقد أحبك التوأم بالفعل يا قريبتي.

لينورا: توجه الطفل إليها على الفور.

تشارلز: ما هى صلة قرابتنا بالضبط يا قريبتي إيمرنجارد؟ جنيفيف، هذا من اختصاصك. لكن أولًا، أتريدين بعض الديك الرومي والحشو يا أمي؟ أيرغب أحد في صوص التوت البري؟

جنيفيف: يمكنني حلها، الجدة بايارد كانت…

إيمرنجارد: كانت جدتك بايارد قريبة ثانية لجدي هاسكنز من خلال آل واينرايت.

تشارلز: حسنًا، كل هذا مسجل في سجل باﻷعلى، كل هذه اﻷمور قمة في اﻹثارة.

جنيفيف: كلام فارغ، لا توجد سجلات كهذه، جمعت معلوماتي من شواهد القبور، دعني أخبرك أنه يجب عليك إزاحة قدر هائل من الطحالب ﻹيجاد اسم جد أكبر واحد.

تشارلز: هناك قصة مفادها أن جدتي بايارد عبرت المسيسيبي على طوف قبل نشوء أي جسور أو عبّارات، وماتت قبل مولدي أنا وجنيفيف. الزمن بالتأكيد يمر بسرعة شديدة في بلد ناشئ وعظيم مثل هذا. تناولي بعض من صوص التوت البري يا قريبتي إيمرنجارد.

إيمرنجارد [مترددة]: حسنًا، الزمن حتمًا يسير ببطء شديد في أوروبا في ظل هذه الحرب الشنيعة المريعة الدائرة.

تشارلز: ربما حرب عابرة ليست بهذا السوء على أي حال، إنها تنقي الكثير من السموم المتراكمة داخل اﻷمم. إنها مثل الدمل.

إيمرنجارد: يا إلهي، يا إلهي.

تشارلز [بتلذذ]: نعم، إنها مثل الدمل، هو! هو! إليك طفلاك التوأم.

[يظهر التوأم عند باب الصالة، يرتدي سام زي حامل راية أو ملازم، ولوسيا تحدث هرجًا ومرجًا بخصوص تفصيلة فيه]

لوسيا: أليس جذابًا في هذا الزي يا أمي؟

تشارلز: دعني أنظر إليك. 

سام: أمي، لا تدعي رودريك يعبث بألبوم طوابعي وأنا بعيد. [يعبر ناحية اليمين]

لينورا: اﻵن يا سام، اكتب رسالة من آن ﻵخر، كن مطيعًا في هذا.

سام: فلترسلي لي بعض الكعكات التي تعدينها من حين ﻵخر يا قريبتي إيمرنجارد. 

إيمرنجارد [ممتنة]: سأفعل بالتأكيد يا ولدي الحبيب.

[لينورا تذهب إلى المنتصف، وسام ناحية اليمين]

تشارلز [يقوم ويواجه سام]: لو احتجت ﻷي مال، لدينا وكلاء في باريس ولندن، تذكر ذلك.

[لينورا تتجه إلى اليمين]

لينورا: كن ولدًا مطيعًا.

سام: حسنًا، إلى اللقاء.

[يقبل سام والدته بلا حرارة ويتجه بنشاط نحو البوابة المظلمة. يعودون جميعهم إلى مقاعدهم، ولوسيا تجلس على يسار والدها]

إيمرنجارد [تتحاور بصوت خفيض مبحوح]: تحدثت إلى السيدة فيرتشايلد لهنيهة وهى خارجة من الكنيسة، تقول إن الروماتيزم لديها تحسن قليلًا، وتبعث بشكرها العميق على هدية الكريسماس. ألم تكن علبة أدوات الحياكة؟  [وقفة قصيرة] كانت عظة هائلة، وبدا الشباك ذو الزجاج الملون شديد الجمال يا لينورا، شديد الجمال. تحدث الجميع عنه، وتحدثوا بتأثر شديد عن سامي [تتجه يد لينورا إلى فمها] سامحيني يا لينورا، لكن من اﻷفضل الحديث عنه بدلًا من عدم الحديث عنه حين يكون التفكير فيه شديد القسوة.

لينورا [تقوم في كرب]: كان فتى صغيرًا، كان فتى صغيرًا يا تشارلز.

تشارلز: يا حبيبتي، يا حبيبتي.

لينورا: أريد أن أخبره كم كان جميلًا، تركناه يذهب ببساطة، أريد أن أخبره بشعورنا حياله -سامحيني، دعيني أتمشى دقيقة- نعم، بالتأكيد يا إيمرنجارد -من اﻷفضل التحدث إليه.

لوسيا [تتحدث بصوت خفيض إلى جنيفيف]: ألا يوجد شيء يمكنني فعله؟

جنيفيف: لا لا، الزمن وحده، مرور الزمن وحده يمكنه المساعدة في هذه اﻷمور.

[لينورا شاردة عند الغرفة، تجد نفسها بالقرب من باب الصالة لحظة دخول ابنها رودريك، يتأبط ذراعها ويقودها مجددًا إلى المائدة، ينظر ليرى كآبة اﻷسرة]

رودريك: ما الخطب على أي حال؟ لماذا أنتم متجهمون؟ كان التزلج على ما يرام اليوم.

تشارلز: رودريك، لدي شيء أخبرك به.

رودريك [يقف على دنو من كرسي أمه]: كان الجميع هناك، ولوسيا تزلجت في اﻷرجاء مع دان كرايتون طيلة الوقت، متى الموعد يا لوسيا، متى الموعد؟

لوسيا: لا أفهم قصدك

رودريك: لوسيا ستتركنا قريبًا، من بين كل الناس تختارين دان كرايتون.

تشارلز [بصوت يحمل نذير سوء]: أيها الشاب، لدي شيء أقوله لك.

رودريك: نعم يا أبي

تشارلز: أصحيح يا رودريك أنك تواجدت في النادي الريفي، وكذلك خلال رقصة ليلة الكريسماس؟

لينورا: ليس اﻵن يا تشارلز، أتوسل إليك، نحن في عشاء الكريسماس.

رودريك [بصوت عالي]: لا، لم أفعل.

لوسيا: حقًا يا أبي لم يفعل، وإنما كان جوني لويس البغيض.

تشارلز: لا أريد أن أسمع عن جوني لويس، أريد معرفة إن كان ابني…

لينورا: تشارلز، أتوسل إليك.

تشارلز: أول عائلة في هذه المدينة!

رودريك [يمر على دنو من المائدة إلى وسط الجهة اليسرى]: أكره هذه البلدة وكل ما فيها، كنت دومًا أكرهها.

تشارلز: تصرفت مثل الكلب المُدلل يا سيدي، كلب مُدلل ساءت تربيته.

رودريك: ما الذي فعلته؟ ما الخطأ الذي اقترفته؟

تشارلز [يقوم من مقعده]: كنت سكرانًا، وتعاملت بوقاحة مع بنات أعز أصدقائي

جنيفيف [ضاربة الطاولة]: لا شيء في العالم يستحق مشهدًا قبيحًا مثل هذا، أشعر منك بالعار يا تشارلز.

رودريك: يا إلهي العظيم، عليك أن تسكر في هذه البلدة كي تنسى مدى سخافتها، يمر الوقت هنا ببطء شديد حتى أنه لا يتحرك، هذه هى المعضلة. [يستدير ويمشى نحو باب الصالة]

تشارلز: حسنًا أيها الشاب، يمكننا أن نشغل وقتك، ستترك الجامعة وستأتي إلى مصنع بايارد في الثاني من يناير.

رودريك [عند الباب المؤدي إلى الصالة]: لدي شؤون أفضل لأفعلها عن الذهاب إلى مصنعك القديم، سأذهب إلى مكان ما حيث يمر الوقت، آه يا إلهي! [يخرج إلى الصالة] 

لينورا [تقوم وتسارع نحو الباب]: رودريك، رودريك، تعال هنا لحظة -تشارلز، أين قد يذهب؟

لوسيا: صه يا أمي، سيعود [تعود بأمها إلى المقعد، ثم تبدأ التحرك من باب الصالة] عليّ اﻵن الصعود وحزم حقيبتي.

لينورا: لن يبقى لدي أبناء. [تجلس]

لوسيا [من عند الباب]: صه يا أمي، سيعود، لقد سافر فقط إلى كاليفورنيا أو مكان ما، لقد حزمت القريبة إيمرنجارد معظم أمتعتي، شكرًا لكِ ألف مرة يا قربيتي إيمرنجارد [تقبل أمها بعد تفكير] لن أطيل الغياب. [تهرع إلى الصالة]

إيمرنجارد [ببهجة]: يا له من يوم جميل، في الطريق من الكنيسة إلى المنزل، توقفت ورأيت السيدة فوستر لهنيهة. التهاب مفاصلها يأتي ويروح.

لينورا: هل تتألم حقًا يا عزيزتي؟

إيمرنجارد: أوه، تقول أنها ستصير على نفس الشاكلة لمائة عام!

لينورا: نعم، إنها شجاعة ولا تلقي بالًا للألم.

تشارلز: تعالي اﻵن، أتريدين بعض اللحم اﻷبيض يا أمي؟ ماري، مرري طبق قريبتك.

لينورا: ما الخطب يا ماري؟ آه، تلغراف وارد منهم في باريس، «المحبة وتحيات الكريسماس للجميع»، أخبرتهم أننا سنأكل بعض من كعكة حفل زفافهما ونفكر فيهما اليوم. يبدو أنه قد تقرر أنهما سيستقران في الشرق يا إيمرنجارد، لا أستطيع أن أجعل ابنتي جارة لي. إنهما يأملان في العيش عما قريب في مكان ما على الساحل الشمالي في نيويورك.

جنيفيف: لا يوجد ساحل شمالي في نيويورك.

لينورا: حسنًا، الغربي أو الشرقي أو أيًا كان موقعه.

[وقفة]

تشارلز [اﻵن في الستين من عمره]: ويحي، يا له من يوم مظلم [وقفة] يمر الوقت ببطء دون وجود أي شباب في المنزل.

لينورا: لدي ثلاثة أبناء في مكان ما.

تشارلز [مانحًا العزاء بحماقة]: حسنًا، أحدهم قدم حياته فداء لهذا الوطن.

لينورا [حزينة]: وأحدهم يبيع اﻷلومنيوم في الصين.

جنيفيف [تُستثار ببطء لدرجة الهستيريا]: يمكنني تحمل أي شيء إلا هذا السخام الفظيع في كل مكان، كان علينا الانتقال منذ زمن طويل، نحن محاطون بالمصانع، بات علينا تبديل ستائر النافذة كل أسبوع.

لينورا: لماذا يا جنيفيف!

جنيفيف: لا أستطيع التحمل [تقوم من مقعدها] لا أستطيع التحمل بعد اﻵن، سأسافر خارج البلاد، ليست المشكلة فقط في السخام النافذ عبر جدران هذا المنزل، وإنما اﻷفكار، التفكير فيما كان، وفيما كان سيكون، واﻹحساس حيال هذا المنزل أن السنوات تذوي، ماتت أمي أمس، وليس منذ خمسة وعشرين عامًا، آه، سأذهب للعيش خارج البلاد [يقوم تشارلز] نعم، سأصير العانس اﻷمريكية العجوز العائشة والميتة في نُزل في ميونيخ أو فلورنس.

إيمرنجارد: جنيفيف، أنتِ مُتعَبة.

تشارلز: تعالي يا جنيفيف، اشربي كوبًا طيبًا من الماء البارد. ماري، افتحي الشباك لدقيقة.

جنيفيف: آسفة، آسفة.

[تسارع وهى باكية إلى الصالة، وتشارلز يجلس]

إيمرنجارد: عزيزتي جنيفيف ستعود إلينا. أظن ذلك [تقوم وتتحرك نحو البوابة المظلمة] كان عليكِ الخروج اليوم يا لينورا، كانت واحدة من تلك اﻷيام حيث غلف الجليد كل شيء، جميل جدًا بالفعل.

تشارلز: لينورا، اعتدت الذهاب للتزلج مع أبي في صباحات كهذه، أتمنى لو أشعر بقليل من التحسن. [يقوم تشارلز ويبدأ في إتباع إيمرنجارد إلى جهة اليمين]

لينورا [تقوم من مقعدها]: ماذا! هل صار لدي مريضان مرة واحدة في مسؤوليتي؟ اﻵن يا قريبتي إيمرنجارد، عليكِ أن تتحسني وتساعديني في تمريض تشارلز

إيمرنجارد: سأبذل ما في وسعي. [تستدير عند البوابة ذاتها وتعود إلى الطاولة]

تشارلز: حسنًا يا لينورا، سأنفذ ما تطلبين، سأكتب رسالة غفران واعتذار إلى الكلب. إنه يوم الكريسماس. سأبعث برقية، هذا ما سأفعله. [يخرج إلى البوابة اليسرى. وقفة قصيرة]

لينورا [مجففة دموعها]: إيمرنجارد، في وجودك معي راحة لي [تجلس على يسار إيمرنجارد حيث كانت تجلس جنيفيف في السابق] ماري، لا أستطيع أن آكل أي شيء. حسنًا، ربما شريحة من اللحم اﻷبيض.

إيمرنجارد [مسنة جدًا]: تحدثت إلى السيدة كين للحظة عند الخروج من الكنيسة، شعرت بفخر شديد بالجلوس تحت نوافذنا في الكنيسة، وألواحنا النحاسية. جناح بايارد، إنه جناح دائم لبايارد، وأنا أحبه.

لينورا: إيمرنجارد، هل ستغضبين مني بشدة لو ذهبت وأقمت مع الشباب قليلًا هذا الربيع؟

إيمرنجارد: لا، لماذا، أعرف كم يشتاقون إليكِ ويحتاجونكِ، خاصة أنهم اﻵن على مشارف بناء منزل جديد.

لينورا: لن تغضبي؟ تذكري أن هذا المنزل لكِ طالما أردته.

إيمرنجارد: لا أعرف لماذا تكرهونه، إني أحبه أكثر مما يمكنني القول.

لينورا: لن أطيل الغياب، سأعود خلال وقت وجيز، ويمكننا ممارسة قراءتنا الجهرية في المساء.

[تقبلها وتذهب إلى الصالة، إيمرنجارد تُترك وحيدة، وتأكل ببطء وتتحدث إلى ماري]

إيمرنجارد: حقًا يا ماري، سأغير رأيي، لو طلبتِ من بيرثا أن تتحلى بالمهارة لتعد لي القليل من مخفوق البيض. مخفوق البيض العزيز. يا لها من رسالة طيبة وردت هذا الصباح من السيدة بايارد يا ماري. يا لها من رسالة طيبة. إنهم يحظون بأول عشاء كريسماس لهم في المنزل الجديد. إنهم حتمًا سعداء. ينادونها ماما بايارد حسبما تقول، كما لو كانت سيدة عجوز. وتقول إنها وجدت من المريح أكثر الذهاب والمجيء على كرسي متحرك، يا لها من رسالة عزيزة.

… ماري، يمكنني أن أخبرك سرًا، ما زال لعلمك سرًا عظيمًا! إنهم يترقبون حفيدًا. أليست تلك أخبار طيبة! واﻵن سأقرأ قليلًا [تضع كتابًا أمامها، وما زالت تُغطس الملعقة في الكاسترد من حين ﻵخر. تتحول من العَجَزّ الشديد إلى العَجَزّ البالغ. تتنهد، تعثر على عكاز بجوارها، وتسير متمايلة إلى البوابة اليمنى، متمتمة:] أعزائي رودريك ولوسيا الصغيران

[يتطلع الجمهور إلى المائدة لفسحة من الزمن قبل انطفاء اﻷضواء ببطء ]ستار