اختار الصحفي والناقد الإنجليزي روبرت مَكروم قائمتين لأفضل مائة عمل سردي وأفضل مائة عمل غير سردي باللغة الإنجليزية، وكتب مقالًا يخص كل عمل منهم. نترجم في هذه السلسلة بعض هذه المقالات.

ترجمات هذه السلسلة جرت ضمن أعمال الدورة الرابعة من مختبر الترجمة بمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة بالإسكندرية (سيلاس الإسكندرية) – ربيع 2019.


قائمة مكروم | آرييل لسيلفيا بلاث (1965)

نُشر بموقع الجارديان، 23 مايو 2016

ترجمة: سارة الراجحي وعمر محمد وياسمين أكرم

الترجمة خاصة بـ Boring Books  وسيلاس الإسكندرية

يحتفظ المترجمون بحقهم في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمتهم دون إذن منهم

***

عن lithub

بكتاب «رسائل عيد الميلاد» (رقم 4 في القائمة)، تكون هذه السلسلة قد كشفت عن الإشعاع الكامن في أعمال تيد هيوز وسيلفيا بلاث، والتي حظيت بمكانتها في المرجعية الأدبية. بصدور «آرييل»، المجموعة الشعرية الثانية لبلاث وصلنا إلى العمل المحفز للانفجار الشعري في القرن العشرين.

أولًا، إن الظروف المروعة المصاحبة للظهور الأول لديوان بلاث «آرييل» أساسية لقراءة وتحليل أي عمل أدبي للشاعرة. كانت بلاث الشريك الأدنى لتيد هيوز في السنوات الأولى من زواجهما. عُرفت سيلفيا كمؤلفة للمجموعة الشعرية «العملاق وقصائد أخرى» المنشورة عام 1960، التي لاقت استحسانًا كأول مجموعة شعرية لها، ووصفتها صحيفة الجارديان البريطانية بأنها «إنجاز فني بارز»، لكنها لم تكن مؤشر إلى القوة الاستثنائية الكامنة في الروح الأدبية لبلاث.

يتمثل مفتاح فهم السنوات الأخيرة لسيلفيا بلاث، وعلى رأس مجريات انهيار زواجها بهيوز، في افتتانها الدائم بفكرة موتها.

حسبما عبرت في قصيدتها «آرييل» التي تحمل نفس عنوان المجموعة:

«أنا السهم الذي يطير،

يندفع برغبة انتحارية،

متجهًا نحو الظلام».

كل ما كتبته كان مظللًا بذلك الهوس.

أكملت رواية سيرتها الذاتية «الناقوس الزجاجي»، التي عملت عليها على عجل في الفترة بين عامي 1961 و1962، وكتبت إلى والدتها كي تخبرها أن ما فعلته هو التالي: «جمعتُ أحداث من حياتي، وابتدعت نسخة خيالية مؤثرة منها، أظن أن الكتابة ستُظهر مشاعر الإنسان المنعزل عندما يعاني انهيارًا، لقد حاولت تصوير عالمي والأشخاص الموجودين فيه، كما شوهِدوا من خلال عدسة مشوهة لناقوس زجاجي».

أصدر ويليام هاينمان -ناشر مجموعة «العملاق» الشعرية- رواية «الناقوس الزجاجي» في 14 يناير سنة 1963 في لندن، تحت الاسم المستعار فيكتوريا لوكاس.

عاد هذا القرار إلى رغبة بلاث في كشف مشاعر والدتها وعدد من الشخصيات الواقعية في حياتها في الرواية. كان الظهور الأول للرواية في خضم الشتاء الإنجليزي الأكثر مرارة في القرن. وفي واقع الأمر، لم تُثِر الرواية أي تعليق.

في تلك الأثناء، بدأت بلاث تجميع مخطوط عملها الشعري «آرييل» في مطلع عام 1962. وبالتركيز بدون ملل على نياتها الشعرية، قامت بتغيير عنوان مجموعتها الشعرية من «المنافس»، إلى «هدية عيد ميلاد إلى أبي»، إلى «صائد الأرنب» وأخيرًا إلى «آرييل وقصائد شعرية أخرى».

انفصلت سيلفيا عن تيد هيوز بعد تورطه في علاقة عاطفية مع آسيا ويفل التي كانت سببًا في هذا الانفصال. عاشت بلاث بمفردها مع طفليها الصغيرين نيك وفريدا، بالقرب من هضبة بريمروز في لندن، في 23 شارع فيتزروي، في المنزل الذي أقام به الشاعر الايرلندي ويليام بتلر ييتس. وفي نوفمبر عام 1962 كانت قد انتهت من مجموعتها الشعرية.

في ساعات أحد الصباحات الباكرة من أسابيعها الأخيرة، كتبت أن تلك القصائد، كما تنبأت بنفسها، سوف «تجعلني ذات شأن». كان الإلهام وراء كل  القصائد التي كُتبِت في خريف 1962 وفي مطلع العام الجديد قد جاءها من عزلتها الشديدة، وكثير من قصائدها الأخيرة في ديوان "آرييل" يمكن أن تُعزى إلى مأزقها كأم وحيدة صغيرة السن، وأيضا لحالة الاكتئاب السريري والانهيار الأولي الذي بلغ ذروته بانتحارها في الصباح الباكر ليوم الحادي عشر من فبراير عام 1963.  (يظل وصف إل الفاريز لهذه المأساة في دراسته للانتحار «الإله المتوحش» تصويرًا لا غنى عنه لهذه الدراما السيكولوجية).

كثفت ظروف موت سيلفيا المحزنة، بعد اتضاحها، من الاهتمام الأدبي الأنجلو-أمريكي بالشاعرة وأعمالها. في عام 1965، أُعيد نشر رواية «الناقوس الزجاجي» حاملة اسم بلاث الحقيقي، وسرعان ما أصبحت واحدة من كلاسيكيات النسوية السوداوية المعاصرة، لكن ظهور «آرييل» في نفس العام (1966 في الولايات المتحدة) هو الذي سطر اسمها وشهرتها بعد وفاتها. فهاهو ديوان من القصائد الاعترافية الغريبة والمقلقة تَمَكَّن عنفوانه الجامح والمثير من إحكام قبضته على زمام مخيلة جيل جديد.

يصف روبرت لويل هذه القصائد في مقدمته للطبعة الأولى من «آرييل» بأنها «تلعب الروليت الروسي بقرص دوار ملقم بستة خراطيش». كان يُسَلِّم بما اكتشفه عدد لا يحصى من القراء اللاحقين بأنفسهم: إن آرييل هو الكتاب الذي يستند إليه اسم سيلفيا كواحدة من أكثر شعراء القرن الماضي أصالة وجرأة وموهبة.

إن مخطوط اليد الذي تركته سيلفيا عند موتها كان عنوانه «آرييل وقصائد أخرى»، لكن ذلك المخطوط لم يكن ليظهر قبل أكثر من أربعين عامًا. ظهر في المقابل كتاب يسمى آرييل (صدر عن دار نشر فيبر آند فيبر) في متاجر الكتب بالمملكة المتحدة عام 1965، وبيع منه عدد استثنائي من النسخ وهو 15 ألف نسخة في 10 شهور. اقتُطعت 12 قصيدة من قصائد سيلفيا المختارة في الطبعة الأمريكية (والتي تختلف قليلًا عن طبعة المملكة المتحدة)، بينما أضيفت 15 قصيدة جديدة بدلًا منها وتغير موضع العديد من القصائد الأخرى في الترتيب الأصلي.

تيد هيوز -الذي كتبت عنه قرب نهاية حياتها: «أكرهه وأحتقره لدرجة تعجز الكلمات عن وصفها»- هو من قام بالتغييرات، مفسحًا المجال للكثير من البحث ومثيرًا للكثير من التساؤلات الهامة حول تعارض مصالحه كوصي على ممتلكات بلاث وكخصم لها في شعرها.

سيمر جيل بأكمله قبل أن يخفت النقد النسوي الغاضب ويتحول إلى إدراك متأخر لدور هيوز، الذي أنجز مهمة شبه مستحيلة بدرجة كبيرة من الحساسية والتفهم، فعلى أي حال المخطوطة التي تركتها عند وفاتها كانت ما تزال قيد التنفيذ.

بعض قصائد الكتاب الرائدة والصعبة غالبًا، تعتبر الآن من الكلاسيكيات: السيدة لازاروس، آرييل، القمر وشجرة الطقسوس، أبي، اللدغات.

جاءت صراحة بلاث الجسورة واستنطاقها العنيف لنفسها ولمشاعرها كتجلِ صادم لقراء الشعر في منتصف الستينات.

في نهاية المطاف استُكِملت نسخة «آرييل» لعام 1965 التي حررها تيد هيوز بنسخة أخرى، كانت فريدا هيوز –الابنة المخلصة لبلاث- العقل المدبر لها، وقد أعادت اختيار وترتيب القصائد بالشكل الذي تركتهم عليه والدتها.

وكإضافة أخيرة لذلك، رد تيد هيوز بنفسه على انبعاث زوجته المتوفاة الأشبه ببعث طائر العنقاء في كتابه «رسائل عيد الميلاد». واحدة من أكثر القصائد المربكة هنا هي قصيدة بعنوان «سوتي» –وهو طقس ديني قديم مارسه الهندوسيون حيث كانت أرملة المتوفي تُحرق مع جثة زوجها كرهًا أم طواعيةً- وثَّق فيها بزوغ نجم بلاث الشعري، وتحدث من منظور قابلة تولد «انفجارًا من الصرخات»، وقبل أن «يبتلعه الفيضان/ذلك البرق الدوي المفاجيء/ لأسطورة جديدة»، آذن بميلاد «امتص الأكسجين من كل منا».

كثير من القصائد في كتاب «رسائل عيد الميلاد» تخاطب ذات بلاث الأخرى الملغزة. كان هيوز قد تدرب بالفعل على هذا المسار من التفكير في كتابته لمقدمة الطبعة الأولى لمذكرات بلاث المنشورة عام 1982، زاعمًا أنه «رغم قضائه كل يوم معها لمدة ست سنوات، وبرغم أنه لم ينفصل عنها لمدة تزيد عن ساعتين أو ثلاث في المرة الواحدة، لم يرها أبدًا تكشف عن ذاتها الحقيقية لأحد، ربما عدا في الأشهر الثلاث الأخيرة من حياتها».

برغم ذلك الحديث الذي لم تجر تسويته بين الزوج والزوجة في الكثير من السجلات المتعارضة، ينجو ديوان «آرييل» من الاهتمام الأدبي الزائد عن الحد الموجه نحو علاقة بلاث وهيوز فيما يزيد عن الخمسين سنة التي تلت انتحار بلاث.

سيظل بالنسبة لكثيرٍ من القراء واحدًا من أعظم المجموعات في تاريخ المؤلفات الأنجلو أمريكية.

من أبياتها:

«الموت،

فن، ككل شيء آخر،

عدا أنني أتقنه بشكل استثنائي».