ملاحظة تحريرية: Episodic novels

2026-01-03 - Amir Zaky

"هذا النوع من الكتابة يجبر القارئ على الإيمان بالكاتب، واثقًا من أنه سيقوده في النهاية إلى خارج الغابة الكثيفة بالأشجار".

ملاحظة تحريرية

ملاحظة لأمير زكي


إذا تلقيت رواية كمحرر، ربما من أوائل الأمور التي ستفكر فيها هي البنية. ومنذ البداية ستبحث عيناك عن البنية التقليدية، "أين البداية والوسط والنهاية؟"، حتى لو كان الغرض من هذه النظرة الأولى ألا تجد هذه البنية وتنساها حتى تنهي عملك، وعلى الأغلب لن تجدها.

لم يعد الكثير من الكُتَّاب يكتبون بهذه الطريقة (عاوزنا نكتب زي بتوع السيما؟)، قد يعود هذا إلى أنها بنية استنفدت، أو يعود إلى التعالي، أو يعود إلى أن الكتابة لن تحقق المرجو من العمل (أنت والكاتب سبتحثان عن المرجو معًا، وبالتوفيق في إيجاده).

إذن أين البنية؟ هل هي نوع من أنواع تيار الوعي، هل الكاتب يكتب مثل جويس أو بيكيت أو بروست؟ يجوز. ولكن على الكاتب أن يحرص حين يستخدم هذه البنية لأن من السهل أن يقع في فخ الثرثرة (يا رجل ده طه حسين قال على روايات كامو ثرثرة).

والحقيقة أنك أيضًا لن تجد روايات كثيرة من هذا النوع (كم كاتب يعرف يكتب كده أصلًا).

إذن ما نوع الرواية التي ستتلقاها؟ على الأغلب ستتلقى رواية يسميها الغرب بالـ episodic novel، قد نترجمها الرواية الحلقية أو الرواية ذات الحلقات. (عشان كده اللي مش بيحبوا الروايات بيقولوا عليها عاملة زي المسلسلات، بس الموضوع مش كده أوي).

وما هي الرواية الحلقية؟ في هذا السياق أحب أن أستعين بكتاب ظريف بعنوان Manuscript makeover لمحررة تدعى إليزابيث ليون، وفي الكتاب لا تكتفي بتعريف هذا النوع، إنما تظهر معاناة المحرر والقارئ (نتمنى ألا يعاني) عند تلقي هذا النوع.

تقول إليزابيث: "في معظم الوقت، القصة الخالية من هدف رئيسي محدد يطلق عليها (حَلَقية). تلك الروايات تضم مجموعة من المشكلات تواجه الشخصيات. مع كل فصل يجري حل مشكلة أو عدة مشكلات، ثم تحل مشكلات أخرى في الفصل التالي. هذه القصة تمضي من حادث إلى حادث أو من حلقة إلى حلقة. لا يوجد فهم واضح إلى أين أو لماذا تمضي الشخصية الرئيسية في هذا الاتجاه".

هذا هو التعريف، أما عن المعاناة:

"كقارئة ومحررة، هذا النوع من الروايات الخالية من الهدف تجعلني أشعر وكأنني أحمل منجلًا وأحاول أن أشق طريقي في غابة ممتلئة بالشجر الشائك، آملة في تيسير الطريق ولكني أفاجأ بمجموعة أخرى من الشجر الشائك".

أما عن أمل القراء في هذه الروايات فيمضي كالآتي:

"هذا النوع من الكتابة يجبر القارئ على الإيمان بالكاتب، واثقًا من أنه سيقوده في النهاية إلى خارج الغابة الكثيفة بالأشجار".

بالطبع الحوار مع الكاتب عن هذا النوع من الروايات من السهل ألا يكون مثمرًا، لا تقلل من ذكاء الكُتَّاب، فالثرثرة لديهم ضرورية ولديها هدف بالطبع لا تعرفه أنت والقارئ ولا يهم أن تعرفاه.

من ضمن الحلول التي تقترحها الكاتبة للتعامل مع هذه الروايات هي الالتزام بالتيمة، فإذا لم يكن هناك هدف واضح ولا حبكة واضحة، فعلى الأقل لا بد أن تكون التيمة محددة.

النقطة الأخرى الأبرز هي الحرص على ظهور المشاكل والأزمات بشكل مناسب خلال الفصول، "لا بد أن يجد القارئ أهدافًا أصغر مرتبطة بمشكلات أصغر، يجدها مرارًا مع المضي في الكتاب".

وحتى لا أكون منبطحًا للمواد التحريرية الغربية أود أن أستعيد تجربة شخصية في ورشة للكتابة مع الروائي المصري محمد عبد النبي، إذ كنت أسعى لضبط شخصية روائية وإظهارها سرديًا في أحد تدريبات الورشة، فنصحني بأن أضعها فورًا في مواقف محرجة.

الغرض كله هو حماية الكاتب ومن قبله القارئ البائس من ثرثرة الكاتب العزيزة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية