سوزان لوري باركس.. مسرح الهوية السوداء

2025-12-05 - Hamid Oqabi

مسرحية الغالب والمغلوب، تعد مأساة وجودية وسياسية في آن، نحن مع نص يصرخ بأن أمريكا لم تتخلص من أشباحها، وأن الماضي العنصري يعيد إنتاج نفسه في الحاضر والمستقبل، مهددًا كل "آخر" بلون بشرته أو أصله.

سوزان لوري باركس.. مسرح الهوية السوداء

مقال حميد عقبي


سوزان لوري باركس، عن american theatre

يمثل صوت سوزان لوري باركس واحدًا من الأصوات التي سعت لإحداث انعطافات ملموسة في المسرح الأمريكي المعاصر، فهي واحدة من الكاتبات اللواتي عملن على منح الأدب والفن الأسود شرعية جديدة من خلال لغة مسرحية مشحونة بالذاكرة، الألم، الإيقاع.

تكتب باركس عن الهامش، لكنها تجعله مركزًا يعيد النظر في سردية الأمة الأمريكية نفسها. من خلال أعمالها –مثل الغالب والمغلوب، أمريكا، في الدم– يجد الدارس لمسرحها مشروعًا نقديًا متماسكًا يتعامل مع التاريخ، العرق، العائلة، المصير كمساحات متشابكة، حيث الماضي العنصري لا ينقضي بل يتجدد في صور معاصرة.

ولعل ما يميز مسرح باركس أنها استطاعت أن توظف الإيقاعات الإفريقية الأمريكية (البلوز والجاز) في بناء الحوار، وأن تحوّل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى استعارات كبرى عن التاريخ الأمريكي. المتأمل للمشهد الثقافي الأمريكي سيدرك أن السود الأمريكيين تمكنوا عبر أجيال من الأدباء والموسيقيين والمسرحيين من تأسيس ثقافة مقاومة تفرض نفسها كقوة لا يمكن إنكارها، منذ نشاط حركة الزنوجة وحتى اليوم. ورغم قسوة التمييز وقلة الدعم، إلا أن توحد الأصوات الفنية السوداء منحهم حضورًا عالميًا واحترامًا لا يُستهان به، بحيث صار إنتاجهم ليس مجرد "أدب أقلية"، بل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية الأمريكية.

وعلى العكس، نرى شعوبًا أخرى –مثل العرب وبعض القوميات التي تفتقد البوصلة الثقافية– تستهلك طاقتها في صراعات داخلية أو لهاث وراء الجوائز الفردية، ما يجعلها عاجزة عن بناء مشروع جماعي راسخ. السود في أمريكا قدّموا مثالًا مضادًا أصبحنا نشهد تأثيره في أوروبا، وبرغم القمع والتهميش وشراء بعض المؤثرين، إلا أنهم أسسوا خطابًا فنيًا مشتركًا يجعل من أعمالهم علامات كبرى، ويثبت أن الأدب والفن يمكن أن يكونا وسيلة لاستعادة الكرامة وتثبيت الهوية.

من هنا تأتي أهمية باركس، فهي كاتبة موهوبة وحلقة في سلسلة نضالية طويلة، وصوت يعيد كتابة التاريخ من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، وهذا ما سنوضحه في قراءة سريعة مختصرة لنصها "الغالب والمغلوب".

الغالب والمغلوب: استعارة لجرح التاريخ الأمريكي الأسود

في مسرحية الغالب والمغلوب (Topdog/Underdog)، تبني سوزان لوري باركس عالمًا مسرحيًا شديد الكثافة من خلال شخصيتين فقط: لينكولن وبوث، أخوان يعيشان في شقة صغيرة تكاد تخنق أنفاسهما. لينكولن يعمل في مدينة ملاهٍ، متنكرًا بزي الرئيس أبراهام لينكولن ليعيد مرارًا مشهد اغتياله، بينما يطارد بوث حلم الثروة عبر ألعاب القمار والخداع. لكن خلف هذا السرد البسيط يتجلى نص شديد الرمزية، حيث الأخوان ليسا مجرد شخصيتين فرديتين، بل استعارتان لجراح أمريكا العميقة: الماضي العنصري المثقل بالاغتيالات والاستعباد، والحاضر المأزوم الذي لا يضمن مستقبلًا للسود.

المكان المغلق –الشقة الضيقة– استعارة للسجن الوجودي الذي يعيش فيه الأمريكي الأسود: عالق بين تاريخ لم ينتهِ وحاضر هشّ. الحوار بين الأخوين يتجاوز تفاصيل حياتهما، ليكشف عن الخلل البنيوي في أمريكا؛ وطن يقدّس الأبيض كرمز للشرعية والسلطة، ويهمّش الآخر الأسود أو الآسيوي أو المهاجر بوصفه خطرًا على نقاء العِرق. بعض الحوارات تكاد تنطق مباشرة بمرارة الواقع: "أنت نمت معي قبل أن تنام معه… إذن أنت لي أكثر مما أنت له". الجملة هنا ليست مجرد غيرة أخوية، بل استعارة عن ملكية الجسد الأسود، الذي كان دومًا في نظر السلطة شيئًا يُباع أو يُشترى أو يُستغل.

النهاية المدمرة، حين يقتل بوث أخاه لينكولن، ليست حدثًا فرديًا بل إعادة إنتاج لجرح تاريخي: اغتيال الرئيس لينكولن نفسه الذي ارتبط اسمه بتحرير العبيد، وكأن باركس تقول إن الماضي يعود لينتقم من نفسه. المأساة الأخوية تعكس مأساة أمة كاملة لم تستطع تجاوز عبودية قرون ولا كراهية متجذرة.

ورغم أن المسرحية كُتبت عام 2001، فإنها اليوم تبدو أشد راهنية. فمع عودة الخطابات العنصرية في أمريكا والغرب، وعلو أصوات تروج لفكرة أن "الأبيض شعب الله المختار" وأن ما عداه عبيد أو غرباء يجب طردهم، تكتسب رمزية المسرحية بعدًا خطيرًا.

لينكولن وبوث إذن بمثابة تجسيد لأزمة هوية السود في مواجهة تاريخ يُعاد فرضه عليهم. بهذا المعنى، فإن مسرحية الغالب والمغلوب، تعد مأساة وجودية وسياسية في آن، نحن مع نص يصرخ بأن أمريكا لم تتخلص من أشباحها، وأن الماضي العنصري يعيد إنتاج نفسه في الحاضر والمستقبل، مهددًا كل "آخر" بلون بشرته أو أصله.

أسلوب وتقنيات باركس المسرحية

التأمل في هذا النص يلمس براعة سوزان لوري باركس في "الغالب والمغلوب" عبر تقنيات مسرحية دقيقة تعكس وعيها بالشكل والوظيفة معًا. فقد قسّمت النص إلى خمسة فصول قصيرة متتابعة، تكوّن إيقاعًا يشبه المقطوعات الموسيقية المتصاعدة؛ كل فصل بمثابة حركة درامية تحمل تصعيدًا جديدًا في علاقة الأخوين، وصولًا إلى الذروة التراجيدية في النهاية. هذا التقسيم يمنح العمل كثافة شعرية وصرامة بنائية في آن واحد، بحيث لا يترك للمتلقي فسحة للهروب من توتر المواجهة.

من جهة أخرى، حافظت باركس على وحدة المكان؛ إذ تجري الأحداث كلها داخل شقة صغيرة جدًا. هذا المكان المغلق لا يقتصر على كونه فضاءً مسرحيًا، بل يتحول إلى استعارة للسجن الاجتماعي والتاريخي الذي يرزح تحته السود في أمريكا. انحصار الشخصيتين في هذه الغرفة يجعل الحوار واللغة هما المحركين الأساسيين، ويؤكد أن المأساة داخلية بقدر ما هي خارجية.

كما أن غياب العنصر النسائي من النص لافت للنظر، فالمسرحية محكومة بصوتين ذكوريين فقط، في صراع على البقاء والاعتراف. سنلاحظ أن النساء موجودات في الهامش كذكريات أو علاقات عابرة، لكنهن غائبات فعليًا عن الخشبة. وهذا الغياب يبدو كأنه محاولة لتعميق فكرة العزلة، وجعل المسرح ساحة مواجهة عارية بين الأخوين، بوصفهما استعارتين للتاريخ الأمريكي المتصدع.

هكذا إذن تمكنت باركس من المزاوجة بين البنية المحكمة، ووحدة المكان، وحذف الأصوات الثانوية، لتقدم نصًا يضغط على الجرح العنصري حتى يكشفه بحدة، وكأنها تريدنا أن نشعر بالألم والرعب، وهي بذلك تحوّل البساطة الشكلية داخل المسرح إلى مأساة وجودية كبرى.

مسرح وتراجيديا سوداء جديدة

يمثل مسرح سوزان لوري باركس محاولة واعية لإعادة كتابة التراجيديا بلغة سوداء، حيث تتحول القضايا الكبرى –العبودية، العنصرية، التفكك العائلي، اغتيال الأحلام– إلى مادة درامية تصوغ تراجيديا جديدة لا تستنسخ الماضي، بل تواجهه وتفضحه. باركس صوت من الذين لم يقعوا في فخ جلد الذات، بل على العكس، تضع الشخصيات السوداء في صدارة المشهد: أبطالًا وضحايا، شهودًا ومدينين للواقع الأمريكي الذي صاغ مصائرهم.

في مسرحها نلمس إعلانًا قويًا: أنا كاتبة/ فنانة سوداء، لا أستحي من لون جسدي ولا من جروح قيود العبودية ولا من آثار السياط على ظهور الأمهات والآباء والأجداد. بل إن هذه الذاكرة نفسها تتحول إلى طاقة فنية تطالب باعتذار تاريخي رسمي من الحكومات والشعوب التي مارست الاستعمار والاستعباد.

القوة هنا أن باركس وكتّابًا سودًا آخرين لا يستجدون الدعم، فأعمالهم تجد جمهورها، وقضاياهم تدخل كل بيت عبر المسرح والأدب والموسيقى والسينما. لقد تمكنوا من جعل الفن الأسود جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الأمريكية والعالمية، وأثبتوا أن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يخلق مسرحًا حيًا، ممتدًا في الوعي الجمعي. وعلى النقيض، نجد في حالة العرب في المهجر صورة باهتة؛ ولو تأملنا تأثير الكتّاب والفنانين لوجدناه ضعيفًا، والجاليات لا تتبنى نتاجهم، فيما ينجح بعضهم في حصد الجوائز والتكريمات عبر بيع ضمائرهم وتاريخهم، بتقديم صورة استشراقية عن العرب كهمج متخلفين مسعورين بالشهوة.

إذن هنا يبرز الفرق الجوهري: بينما يحوّل المثقف الأسود جرحه إلى مشروع نضالي وفني إنساني عالمي، يشتت كثير من المثقفين العرب طاقاتهم في جلد الذات وتقديم شعوبهم كضحايا عاجزين يحتاجون إلى الغرب للخروج من تخلفهم ومآزقهم. إن قراءة باركس وغيرها تكشف بوضوح الفرق بين الحالة الأفريقية التي أنجزت مشروعًا ثقافيًا متماسكًا، وبين بؤس الحالة العربية الممزقة، وهو درس يستحق التأمل بعمق.




2 ردود على “سوزان لوري باركس.. مسرح الهوية السوداء”

اعجبنى مقالك ولكنى كنت أرغب فى النص المسرحى لو امكن . نحن نفتقر إلى هذه النوعيه من المسرح الحديث والمعاصر .

رد
Hamid Oqabi (حميد عقبي)

محبات متوفر بالانجليزية وربما مترجم إلى لغات أوروبية لا توجد ترجمة عربية

رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها *

انضم للقائمة البريدية