لم تبالِ ساجان يومًا بشيء، لا برسم صورة المثقفة الوقورة، ولم تغازل في كتاباتها المثل العليا أو القيم المجتمعية، بل كتبت لأنها لا تعرف سوى أن تكتب بتمرد خالص، فكتبت كما عاشت بلا تكلّف ولا ادّعاء.
ماذا تقول "صباح الخير أيها الحزن" عن كاتبتها؟
عن رواية "صباح الخير أيها الحزن" لفرانسواز ساجان
مقال: مروة قابيل

في الرابع من يناير عام 1954، وضعت الشابة فرانسواز كواريز -ذات الثمانية عشر ربيعًا- مخطوطة روايتها الأولى في صندوق البريد، مرسلةً إياها إلى دار النشر "رينيه جوليار". كتبت على الغلاف الخارجي اسمها، وعنوانها، وتاريخ ميلادها: الحادي والعشرون من يونيو عام 1935. لم تمضِ سوى أيام قلائل، حتى وصلت إلى منزلها برقية من الناشر، معنونة بـ: "عاجل للغاية". أثار تاريخ الميلاد فضول الناشر، وأخذ يتساءل هل حقًا من كتبت هذه الرواية ذات المشاعر الدسمة، فتاة لا تتجاوز الثمانية عشرة، أم أن الأمر مجرد خدعة سخيفة؟
سارع بالرد عليها، ليتلمس حقيقة الأمر. سرعان ما زارته فرانسواز برفقة والدها. حينها تأكد من جدية الأمر، وقرر خوض التجربة. تفاوض والدها مع الناشر على قيمة العقد إلى أن توصلا معًا لجعل المبلغ خمسين ألف فرانك، أي ضعف العرض الأول. منذ تلك اللحظة تغيرت حياة تلك الشابة للأبد، وأولى دلائل هذا التغير: كان اسمها نفسه، إذ تحفظ والدها على النشر باسم العائلة، لكنها لم تتردد كثيرًا واختارت اسم: "ساجان". لم يكن اختيارًا اعتباطيًا بل أسعفتها ذاكراتها الأدبية بشخصيتها المفضلة: "الأميرة ساجان" من رواية "البحث عن الزمن المفقود" للكاتب الفرنسي بروست، والتصق هذا الاسم بها حتى واراها الثرى.
إعصار حل على المشهد الثقافي
أحدثت الرواية الوليدة زلزالًا في الوسط الثقافي الفرنسي آنذاك، تلك المخطوطة التي ستسميها صاحبتها "صباح الخير أيها الحزن" مستعيرة اسمها من قصيدة للشاعر الفرنسي بول إيلوار:
الوداع أيها الحزن
صباح الخير أيها الحزن
إنك منقوش في خطوط السقف
إنك مرتسم في عيني من أحب
لست التعاسة كاملة
فالشفاه الأكثر مسكنة تعرب عنك
بابتسامة
فور خروجها للنور كانت القطبية الشديدة، قدر"صباح الخير أيها الحزن" وتميمة ولادتها، مما ساهم في تضخم نجاحها السريع. نالت استحسان البعض فأمطروها بالمديح، كتب عنها كبار الأدباء وعلى رأسهم فرانسوا مورياك الحائز على نوبل، قائلًا:
"تتفجر الجدارة الأدبية من الصفحة الأولى، ولا جدال في ذلك". أما مجلة "ماري باتش" فقد شبهت ساجان بالأدبية الفرنسية كوليت في هيئتها الشابة. وذهب سارتر الفليسوف الوجودى إلى اعتبارها مثالًا يحتذى به. وسرعان ما حصدت الرواية جائزة "النقاد" المرموقة بعد أسابيع قليلة من صدورها. لم تكن تلك الصورة كاملة، بل نصفها الوردي المفعم بالتصفيق الحار، إذ قابل هذا الاحتفاء المشجع للرواية هجوم لاذع، شنه إميل هنريو الناقد البارز في صحيفة لوموند عندما وصف كتابات ساجان بأنها "غير أخلاقية". بينما أبدى أحد أعضاء لجنة تحكيم الجائزة مخاوفه: "أن تلك الرواية ستوجه ضربة قاضية لصورة الشابات الفرنسيات في أعين الأجانب".
لم يقتصر النقد على الرواية، بل امتدت ألسنة الهجوم لتطال كاتبتها متهمةً إياها بأنها ليست إلا واجهة دعائية جذابة للرواية، وأن كاتبًا ناضجًا يقف خلف المشهد. اعتبرها آخرون ابنة مدللة لعائلة برجوازية، استطاعت بعلاقاتها وأموالها الترويج لموهبتها المتوسطة، التي خلقت نوڨيلا غير ناضجة، ترصد التقلبات المزاجية لمراهقة منغمسة في ذاتها وملذاتها. تلك الزوبعة القطبية جعلتها تلمع في عين القراء، ففي الأخير لا توجد دعاية سيئة، فتجاوزت مبيعات الرواية 350 ألف نسخة في فرنسا وحدها خلال أول عامين وفقًا لدار النشر. لكن كل تلك الاتهامات في كفة وما فعله البابا بولس السادس -بابا الفاتيكان- في كفة، فقد وصف الرواية: بأنها تجسيد للإلحاد، وبناءً عليه فقد حُظرت في الفاتيكان وعدة دول أوروبية. لكن تجاوز الأمر حدود المنطق في جنوب أفريقيا، إذ تعرض حيازة الرواية قارئها للمساءلة، بل والسجن.
السطور التي أثارت الزوبعة
بطلتنا سيسيل -فتاة في السابعة عشرة- تدور بعض أحداث الرواية على لسانها والآخر في خلدها، ليرصد الصراع النفسي الذي يجتاحها. يصحبها والدها ريموند لقضاء العطلة الصيفية في ڤيلا على الريڨيرا الفرنسية. ريموند -الأرمل منذ خمسة عشر عامًا- يتنقل بين عشيقاته كما تتنقل النحلة بين أزهار الحديقة. بعد خروجها من المدرسة الداخلية قبل سنتين، لم تتقبل سيسيل بسهولة نمط حياة والداها المتحرر من كل القيود، لكن سرعان ما جذبها سحر تلك الحياة اليسيرة، فتصالحت مع وجود عشيقاته. خاصةً أن العشيقة الحالية إلسا لا تمثل أي خطر؛ فهي صهباء بسيطة دون مطامع. تسير الأيام على وتيرة واحدة: استسلام كامل للرغبات، ومطاردة مستمرة للملذات، ولامبالاة بالقيم الأخلاقية، يسودها الركض وراء الغزوات الغرامية وملاحقة دفقات الدوبامين بشراهة. وسط تلك المشاعر المشتعلة واللهو اللامنقطع، يجد القارئ سؤالًا يلح عليه "هل تلك طريقة صحيحة للعيش؟" لكن سيظل السؤال حبيس عقله، فلا أحد يطرحه طوال الرواية، بل لا أحد مهتم بطرحه من الأساس.
يلقي ريموند حجرًا ليحرك مياه حياتهم الراكدة حين يعلن دعوته لـ آن لارسن، للإقامة معهم. آن هي صديقة أرملته، وسبق أن أقامت سيسيل معها بعد خروجها من المدرسة الداخلية؛ لتعلمها الذوقيات، وتعدها للتصرف كسيدة مهذبة. تنتفض سيسيل داخليًا، فور سماعها الخبر؛ معللةً ذلك بصعوبة استرخاء أيًا منهم في وجود آن. إذ أن شخصيتها تختلف عنهم اختلافًا جذريًا. فهي تعد نموذجًا للذوق الرفيع والنظام الصارم، بدايةً من ملابسها إلى طريقة انتقاء كلماتها، مما يجعل وجودها يتعارض مع الفوضى الحياتية التي يعيشها ريموند وسيسيل وخضوعهما المطلق لجموح رغباتهما. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا دعاها ريموند إذًا للإقامة معهم؟ هل ملَّ فوضى حياته العاطفية وتلمس في آن المقدرة على تنظيمها؟
تخطو آن أولى خطواتها الواثقة داخل حياتهما، محدثةً تغييرات هائلة عليهما. أولها خروج إلسا من المشهد وحلولها محلها، وسرعان ما يعلن ريموند رغبته بالزواج منها. تواجه سيسيل سلسلة من الفرمانات الأمومية - وهي التي لم تعتد وجود الأم يومًا في حياتها- فتأمرها بالإكثار من الطعام، وتحبسها في غرفتها لتدرس، بل والأدهى تأمرها بقطع علاقتها مع سيريل حبيبها، الذي كان أول من علمها أبجديات الحب. تشعر سيسيل أن آن قد استولت على حياتها وأصبح وجودها مرهونًا بقراراتها، فحتى أبوها -مصدر الحب اللامشروط في حياتها، والذي لم يقتنع يومًا بالزواج- سرقته منها. تمكنت تلك الأفكار منها، فتنتابها رغبة مجنونة في الانتقام. حشدت كل ذكائها -الذي لم تحتج إليه قبلًا- لتنفيذ انتقامها. درست عناصرها جيدًا لتنسج شباكها حولهم، وتجعلهم جميعًا تحت رحمتها. وللمرة الأولى تختبر مشاعر السيطرة الكلية على الآخرين، أسكرتها مشاعر السلطة، فجاء انتقامها قاسيًا غير عابئ بالعواقب.
لماذا كل تلك الضجة حول رواية ساجان؟
في خمسينيات القرن الماضي، كانت فرنسا لا تزال تحت مظلة الكاثوليكية المحافظة، التي كانت تفرض سطوتها على الأدب، ولا سيما الشخصيات النسائية. جعل خضوع الأدب لقيود العادات والتقاليد البطولات النسائية، محاصَرةً بالمثل العليا التي فرضها النظام الأبوي. وإذا ما حاولت إحداهن كسر تلك الأنماط، فلا بد أن يعاقبها الأدب جراء تمردها على قيم المجتمع، لتكون مضرب العظة، فخلق الأدب شخصيات نسائية بميول ملائكية، وإن تجرّأت ومارست بشريتها، وجب أن تنال عقابها، وإلا فقد النص "قيمه الأخلاقية". وسط هذا السياق المتشدّد، تجردت ساجان من أوهام الطهرانية الزائفة، وكتبت بجرأة لامبالية بأية قيود، ونقلت إلى أدبها روح الحياة التي لا تعبأ بالعدل، ولا تمنح الجميع المصير ذاته، حتى لو ارتكبوا الأفعال ذاتها.
بعد ثلاثين عامًا من صدور الرواية، تحدثت ساجان عن سر الهجوم الذي أحاط بالرواية منذ يومها الأول: "لم يكن مقبولًا أن تمارس فتاة في السابعة عشرة الحب مع شاب في مثل عمرها، دون أن تُعاقب على ذلك. لم يتقبل الناس فكرة ألا تُكمل الفتاة حياتها مع الشاب، وألا تصبح حاملاً بنهاية الصيف". أنصف القدر صيحة تمردها، فلم تواجه قمعًا ولا ترهيبًا في بلدها الأم، بل استقبلها الوسط الثقافي بحفاوة، جعلتها أيقونة فرنسية في أذهان الكثيرين. فقد كانت الإمبراطورية الفرنسية تُوشك على الأفول، فسُمح بمناقشة أولويات جديدة، مثل: حقوق الأقليات، وتفكيك كثير من المسلّمات الاجتماعية.
هل كانت الرواية نقدًا لحياة البرجوازية الفرنسية اللاهية؟
ثمّة من يرى أن ساجان قصدت بكتابتها انتقاد لهو البرجوازية الفرنسية، الغارقة في الترف، والفراغ الوجودي. لكن ساجان كانت ابنةً شرعيةً لهذا العالم، بكل ما فيه من بذخ وانعتاق من الواجبات الأخلاقية. فقد وُلدت لأسرة برجوازية: والدها رجل صناعة ثري، ووالدتها من سلالة ملاك الأراضي، تشربت روح ذاك العالم الذي خلق نمط عيشها الذي ستكتب عنه، لا بوصفه موضوعًا للنقد، بل كانعكاس للواقع... واقعها. قالتها بعناد، في مقابلتها مع مجلة ذا ترانس أتلانتيك ريفيو: "سأواصل طوال حياتي الكتابة بعناد عن الحب، والوحدة، والشغف، بين أولئك الذين أعرفهم، أما البقية، فلا يثيرون اهتمامي". حين حلّت الشهرة، تدفقت الأموال عليها فكانت تتسرب من بين أصابعها. إذ كانت تنفق ببذخ على الويسكي، والكوكايين، وإدمان القمار والسيارات الرياضية الفارهة، مندفعة وراء أدرينالين الحلبات... حتى أصيبت بإصابات دماغية بالغة جراء حادثة، توجت حياة عنوانها تحدى التوازن.
لم تبالِ ساجان يومًا بشيء، لا برسم صورة المثقفة الوقورة، ولم تغازل في كتاباتها المثل العليا أو القيم المجتمعية، بل كتبت لأنها لا تعرف سوى أن تكتب بتمرد خالص، فكتبت كما عاشت بلا تكلّف ولا ادّعاء. حتى في الحب، سيطر عليها ذلك المزاج اللامبالي. فشلت في زواجين، ثم انزلقت بعدها في سلسلة من العلاقات الغرامية من الجنسين. حتى وجدت السكينة مع مصممة الأزياء بيجي روش. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا؛ ففي عام 1991، اختطف سرطان البنكرياس روش منها. ابتلعها الحزن، واعتزلت العالم متحصنة بمنزلها الريفي، وشرعت في سلوكيات تدميرية للذات: بدّدت أموالها، قطعت صلاتها بأصدقائها، حتى وافتها المنية في سبتمبرعام 2004، بسبب بجلطة رئوية. رحلت ساجان عن تسعة وستين عامًا. تاركةً ورائها ديونًا تُقدّر بمليون يورو، وذكرى كاتبة كان التمرد عنوان حياتها فعاشت كما أرادت.
سرُّ خلود "صباح الخير أيها الحزن"
وقفت "صباح الخير أيها الحزن" شامخة أمام تعاقب السنين، وظلت تُقرأ، كما لو أنها كُتبت بالأمس. يعود إليها المخرجون مرة بعد أخرى، يبحثون بين سطورها عن نبض الشباب، وتقلبات المراهقة. وللمرة الثانية، تتبنى هوليوود تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، وهذه المرة برؤية المخرجة دورجا-تشيو-بوس، وصدر الفيلم في مايو 2025. ترى دورجا-تشيو-بوس أن سر خلود العمل يكمن في: "إن عملًا فنيًا يناقش صعوبات مرحلة البلوغ لفتاة مراهقة، وما يصاحبه من اكتشاف الذات، سيظل عملًا عصريًا مهما تعاقبت عليه السنين".
"صباح الخير أيها الحزن" ليست مجرد رواية ثورية في عصرها، بل مرآة لقلقنا الوجودي، ولأسئلتنا الأولى التي تظل دون إجابة.
* المقال خاص بـ Boring Books
** تحتفظ الكاتبة بحقها في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقالها دون إذن منها
